حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الخامس والاربعين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس والاربعين

الفصل الخامس والاربعين

الليل ما كان ليل… كان صفحة سوداء تحاول تبتلع كل شيء حولهم. الهواء بارد، لكنه ثقيل… كأنه مشبّع بأنفاس خوف ما اكتملت بعد. سارة جلست في غرفة التحقيق بالمركز، ملفوفة ببطانية رمادية، لكن البرد داخل صدرها ما كان يهدأ. كل صوت بالخارج يحركها… كل خطوة تخوّفها… كل باب ينفتح تشعر أنه هو. فهد واقف عند الباب، عيونه حمراء من السهر والركض والدم. لكنه واقف… واقف كأنه وعدها بشيء ما ينهدم. عمر يدخل ويجلس قدامها، ينحني ويحاول يقرب وجهه من وجهها، يقول بصوت منخفض: «سارة… لا تخافين. الشرطة قريبين يمسكونه. الكاميرات صورت كل شيء.» سارة تنظر للطاولة، أصابعها ترتجف: «هو ما يهرب… هو يختار متى يظهر.» الجملة طلعت منها كأنها اعتراف… وكأنها تعرفه أكثر من أي أحد. عمر ضغط على يدها: «إلين يمسكونه… انتي بأمان هنا.» لكن سارة ما ردّت. كانت تفكر في شيء واحد… نظرة ياسر الأخيرة. نظرة ما كانت تهديد… كانت وعد. والوعد أخطر من السكين. مرت الساعات… وكل شيء في المركز ثابت. لكن الفجر قريب… والنور إذا قرب، يبان الظلام اللي كان مختبي طول الليل. وبينما الضابط يراجع البلاغات، انفتح الباب بقوة. رجل الأمن صاح: «سيدي! لقينا شيء… لازم تشوفه.» الضابط مشى بسرعة، وسارة وقفت بدون ما تشعر. ما تحب تنتظر… الانتظار أكبر سلاح للخوف. طلعوا للواجهة الأمامية… ورجول سارة ثقلت. على الأرض… قدام المبنى… كانت ورقة صغيرة مثبتة بحجر. الضابط أخذها… فتحها… تجهم وجهه. ورمى الورقة لفهد. فهد قرأ… وصوته نزل: «سارة… لا تطلعين.» لكن سارة سمعت، واقتربت خطوة… ثم أخذت الورقة من يده رغم ما حاول يمنعها. الورقة مكتوب فيها بخط منحني… خط هادي لكنه مخيف: "إذا ما قدرت آخذك… بخليك تجين لي. الخوف يدفع أكثر من الحب." – ياسر سارة شهقت. رجعت خطوة، يدها غطت فمها، كأن الكلام عضّ قلبها مو الورق. فهد صرخ برجال الأمن: «فتشوا المكان! الحين!» لكن الصرخة ما كانت مهمة… لأن سارة شعرت بشيء أهم… هو هنا. مو بعيد. مو هارب. هو ينتظر اللحظة اللي تضعف فيها. رجعت سارة للداخل… جلست… لكن هدوء المكان صار يخنق. هي تعبت من الهرب… تعبت من أن تكون ورقة تطير بريح شخص آخر. قالت بصوت مكسور لكنها تحاول تثبته: «أنا ما أبي أعيش خايفة… ما أبي أكون ظل… أبي أنهي شي بدأ بموته نورة.» فهد التفت لها: «ليه تتكلمين كذا؟ وش تبين تسوين؟» سارة رفعت راسها… لأول مرة من البداية، عيونها ما ترجف. «أبي أواجهه.» فهد صرخ: «مستحيل!» لكن سارة همست: «الخوف إذا ما واجهته… يصير بيت.» بعد ساعات طويلة، وبعد خطط الشرطة، وبعد مراقبة المنطقة… وصل خبر. رجل أمن ركض للضابط: «سيدي! تم رصده!» سارة وقفت بسرعة: «وين؟» الرجل قال: «البيت المهجور… البيت اللي كانت نورة تروح له قبل ما تختفي.» سارة شعرت كأن الدنيا توقفت. البيت اللي كان سر… واللي كانت نورة تهرب له إذا انكسرت… مكان بداية النهاية. قالت بثبات ما توقعت تملكه: «أنا بروح.» صدمت الشرطة. الضابط قال: «ممنوع. هو خطر.» سارة ردت: «وأنا اللي كان يطاردني… مو أنتم.» فهد صارخ: «وأنا معك.» عمر «وأنا بعد… ما أخليك لحالك.» لكن سارة هزت راسها: «لا. هذي مواجهتي. بس أبيكم قريب… مو بعيد.» وصلوا قدام البيت المهجور… الجدران مشققة… الباب مفتوح كأنه يتنفس… والنوافذ سوداء كأنها عيون ترقب. الهوا بارد… وفيه ريحة رطوبة… وريحه خوف. سارة دخلت أول. خطواتها على الأرض الترابية كانت ثقيلة… لكنها ثابتة. صوت من فوق… من الدور العلوي… صوت حركة… صوت شخص. ثم… صوته. «عرفتِ تجين. كنت متأكد.» سارة رفعت راسها. ياسر واقف أعلى الدرج… وجهه شاحب… عيونه سوداء… لكن ابتسامته هي نفسها… ابتسامة شخص مقتنع أن القدر معه، مو ضده. قال: «نورة كانت تجي هنا تبكي… وأنا كنت أسمعها. واليوم… جتك نوبتك.» سارة بلعت ريقها: «ليش؟ ليه اخترتنا؟ ليه نورة؟ ليه أنا؟» نزل من الدرج ببطء… كل خطوة صدى… كأنه ينزل من هاوية داخل روحه. قال: «لأنكم كنتوا الضوء الوحيد اللي عرفته… والضوء لازم ينطفي… ويصير لي.» سارة تمسكت بكلمة وحدة: “الضوء ما يصير ملك لأحد.” ياسر وقف قدامها… قريب… قريب جداً. قال: «كل شي يصير… إذا كان الخوف مفتاحه.» سارة تنفست… وقالت: «الخوف علمني شيء… مو كل اللي يطارد يقدر يمسك. ومو كل اللي ينكسر، يضيع.» ياسر رفع يده… كأنه بيمسك وجهها… لكن قبل يوصل— صوت رجال الأمن يهجمون على المكان. ياسر التفت بسرعة… حاول يهرب… لكن فهد دخل من الجهة الثانية وصاح: «وقف!!» وياسر اندفع يركض… لكن الأرض اللي في الدرج كانت مكسورة… رجله انزلقت… وقع بقوة… والحديد اللي كان بجيبه انغرس فيه. صوت ارتطامه كان النهاية. سارة تجمدت. رجال الأمن هرعوا… لكن مافي نبض. وانتهى كل شيء… مو بانتصار… ولا بخسارة… انتهى مثل سقوط حجر في بئر عميق… صوت أخير… ثم صمت. وقفت سارة على باب البيت المهجور. الهواء دخل صدرها لأول مرة من شهور بدون ما يقطع نفسها. فهد اقترب منها: «انتهى.» سارة أغمضت عيونها… والدمعة نزلت. مو دمعة حزن… دمعة حريّة. وقالت: «لا… ما انتهيت أنا. أنا ببدأ.» بعد أسابيع… البيت هادي… وصورة نورة على الطاولة، بابتسامة خفيفة تحس كأنها تقول: "رجعتي". سارة جلست وكتبت جملة علّقتها على الجدار: "بعض النهايات مو موت… بعض النهايات بداية حياة ما تشبه اللي قبل." وابتسمت. حين انطفأت… ما بقيت وحدي. أنا بس اكتشفت نفسي. ـــــــــــــــــــــــــــــ