الفصل الرابع والأربعون
السيارة كانت تمشي بسرعة… لكن قلب سارة كان يركض أسرع.
الليل برا النافذة مو ليل…
كان يشبه ممر طويل تحاول تهرب منه، لكنه يرجع يلتف حولها.
عمر يمسك المقود بقوة، يده ترجف، وصوته يطلع متقطع:
«سارة… انتي بخير؟ تكلمي!»
لكن سارة كانت تناظر يدها… المكان اللي مسكه ياسر.
كأن حرارة أصابعه ما زالت على جلدها.
تحاول تسحب يدها… لكن الخوف ما يسمح.
فهد، اللي كان جالس جنبها، لسه يتنفس بسرعة بعد العراك.
قال بصوت خافت لكنه ثابت:
«لازم نوصلكم مكان آمن… قبل لا يرجع يلحقنا.»
عمر رد وهو ما يرفع عينه عن الطريق:
«بلغت الشرطة… قالوا يجون للمركز. نمشي هناك مباشرة.»
سارة رفعت عيونها لأول مرة، وقالت بصوت مو صوتها:
«فهد… قال… قال إني بدال نورة.»
الجملة وحدها كسرت قلبها، رجّت روحها.
كأنها تسمع نفس نورة تبكي من مكان بعيد.
فهد التفت لها بسرعة:
«لا تصدقين كلمته. ياسر يستخدم الخوف كسلاح. يكسر الشخص من داخله قبل ما يقترب منه.»
لكن سارة هزت رأسها:
«بس نورة كتبت… كتبت إنه يبغاني. وإنه كان يراقبني.»
عمر ضغط على الفرامل فجأة.
السيارة توقفت في منتصف الشارع الفاضي.
التفت عمر عليها وقال بنبرة ما قد سمعته سارة منه قبل:
«سارة… اسمعيني. ولا كلمة من مجنون تهزينها بصدرك. أنتِ مو هدف… أنتِ الضحية اللي اختارها علشان يشوه خوفها.»
لكن قبل ترد…
سمعوا صوت شيء يرتطم بمؤخرة السيارة.
ثانية…
ثانيتين…
ثم صوت آخر… أقرب…
أعلى.
كأن أحد يرمي شيء… أو يصدم عمداً.
فهد التفت بحدة:
«وش هذا؟!»
عمر طلع راسه من النافذة يشوف المراية الخلفية…
سارة التفتت معه…
ومعدتها انقلبت بالكامل.
سيارة…
بدون أنوار…
تمشي خلفهم ببطء…
بهدوء…
كأنها تتنفس.
فهد همس:
«هذا هو.»
سارة شهقت:
«لا… لا… مستحيل!»
السيارة السوداء قربت…
ثم قربت أكثر…
ثم…
ضربتهم ضربة خفيفة مرة ثانية.
عمر صاح:
«امسكوا!»
السيارة اندفعت للأمام، لكنه ما قدر يسيطر على الحالة.
ياسر كان يلعب فيهم…
يلحقهم…
يضربهم…
لكن مو بقوة كافية يهدم…
بقوة تخوّف، تضعف، تكسر الأعصاب.
فهد صرخ:
«زِد السرعة! لا تخليه يلحقك!»
عمر ضغط البنزين…
السيارة تطير…
والأخرى خلفهم تلحق.
سارة تبكي وتهز راسها:
«ليه؟ ليه يسوي كذا؟! وش يبي؟!»
فهد قال بحدّة ما عرفتها منه قبل:
«يبي يفقدك السيطرة… يبيك تطلعين بشكل سهل… يبيك لحالك.»
السيارة الخلفية زادت سرعتها فجأة…
تقترب…
تقترب…
ثم—
اصطدام قوي.
صرخت سارة.
التفت فهد عليها وحاول يحمي راسها.
السيارة انحرفت…
الدنيا صارت تدور…
والإنارة تتقطع بين ظلام وضوء.
ثم توقف كل شيء.
لحظة صمت…
مو صمت طبيعي…
صمت ما بعد الصدمة.
عمر تنفس بصعوبة:
«سارة… انتي… موجودة؟»
سارة حاولت تحرك يدها… رجلها… صوتها…
كل شي يرجف، لكن هي بخير.
فهد فتح الباب بسرعة وقال:
«انزلي! الحين! قبل ما يجي!»
لكن ما لحقت تتحرك…
حتى سمعت الخطوات.
خطوات شخص يمشي على الإسفلت…
هادئة…
بطيئة…
متلذذة بالخوف اللي يصنعه.
سارة سمعت صوته قبل تشوفه:
«قلت لك ما تهربين… الليل لي. وانتِ بعد لي.»
ياسر وقف قدام السيارة…
وجهه نصه مظلم…
ونصه منور بضوء العمود.
ابتسامة ملتوية…
وعيون فاضية…
عيون شخص فقد كل شيء… إلا هوسه.
سارة تجمدت.
وفهد وقف بينها وبين الخطر، صوته قوي رغم جراحه:
«إذا تبي أحد… خذني أنا. بس سارة… مستحيل تلمسها.»
ياسر ضحك… ضحكة قصيرة، مرعبة:
«أنت؟ أنت مجرد حاجز… وأنا أحب أهدم الحواجز.»
رفع قطعة حديد من الأرض.
يمسكها بسهولة…
كأنه يمسك لعبة.
سارة صرخت:
«فهد!!»
لكن قبل ياسر يوصل…
سمعوا صوت سيارات…
نور قوي…
أضواء زرقاء…
وصوت مكبر:
«ثابت! الشرطة! ارمِ السلاح!»
ياسر وقف.
جسمه كله يصلّب.
تنفسه يثقل.
ثم…
التفت على سارة مباشرة.
نظرة أخيرة…
نظرة وعد…
مو خوف.
وقال بصوت يسمعه قلبها أكثر من أذنها:
«ما خلصت… الفصل الأخير لي.»
ثم ركض بين البيوت…
واختفى بالظلام.
سارة سقطت على الأرض…
مو لأنها ضعيفة…
بل لأن اللي جالس يصير… أكبر من جسدها…
أكبر من عمرها…
أكبر من كل الخوف اللي مر فيها.
وفهد جلس جنبها…
وحط يده على يدها المرتجفة…
وقال بصوت يكسر:
«سارة… ياسر ما عاد مجرّد خطر…
صار الحقيقة اللي لازم نواجهها… قبل ما يوصل لك مرة ثانية.»
والشارع، رغم الزحمة، رغم الأنوار، رغم الناس…
كان يحس بثقل واحد:
الخطر ما انتهى…
هو بس غيّر مكانه..
ـــــــــــــــــــــــ