الفصل الثالث والاربعين
الليل كان واقف على حافة البيت… ثقيل، متربّص، كأنه يسمع كل كلمة، كل نفس، كل خطوة.
سارة واقفة بين عمر وفهد، وركبها ترجف… والصمت من برا البيت ما كان صمت طبيعي.
كان صمت شخص يتحرك… ويخطط… ويقترب.
عمر قال بصوت منخفض، يحاول يخليه ثابت:
«بسرعة… نطلع من الباب الخلفي. السيارة جاهزة.»
لكن فهد وقف قدامهم، ويده مرفوعة:
«لحظة… إذا ياسر واقف بالحوش الخلفي؟ إذا متخبي هناك؟ ما نبي نطلع من فخ لفخ.»
سارة حست الدنيا تصير أضيق… صوت أنفاسها أعلى من صوت الليل.
أبوها قال:
«طيب وش تسوي؟ نقعد ننتظره يدخل؟»
فهد قرب من سارة وقال:
«سارة… اسمعيني. إذا صار أي شي… ما تركضين. تلتزمين فيني. اللي يركض أول… ينصاد أول.»
كانت تبغى تقول أنا خايفة… لكن صوتها اختفى.
حتى الكلمات تخاف تطلع.
فجأة…
صوت خربشة عند سور البيت.
مو قوية… لكن واضحة.
كأن أحد يحاول يلقى فتحة… أو يصنع له وحدة.
عمر قرب من الجدار وهو يحاول يشوف:
«وش هذا؟»
لكن قبل يكمّل… جت الجملة اللي جمدت الدم في أجسادهم:
«سارة… وين بتروحين؟ الليل طويل… وأنا ما تعبت لسا.»
الصوت كان ورا السور… أقرب من أي مرة قبل.
أقرب من إنه يقدر يلمس كلامه على رقبتها.
سارة التصق ظهرها بالجدار، ودموعها تنزل بدون ما تحس.
فهد جذبها بسرعة وقال:
«لا يسمع ضعفك… لا يسمعك تتنفس حتى.»
عمر قال بحزم:
«نركب السيارة ونطلع. ما ننتظر ثانية.»
فتحت سارة الباب الخلفي بخوف، وعيونها مسمرة على العتمة.
السيارة واقفة على بعد خمس خطوات… خمس خطوات بس.
لكن الظلام حولها… كثيف، غريب، كأنه يصنع ممر ما له نهاية.
فهد همس:
«امشوا… خطوة بخطوة. لا توقفون.»
تحركوا.
أول خطوة…
ثانية…
ثالثة…
ثم فجأة…
شيء انطلق بقوة خلفهم، صوت جري، سريع، شرس، صوت شخص ما يجري…
يصطاد.
صرخ عمر
«ادخلوا السيارة! بسرعة!»
لكن قبل يوصلون…
يد صارت تطق على باب الحوش بقوة.
مو يد واحدة… يدين.
كأن أحد يحاول يخلع الباب الحديدي كامل.
سارة صرخت:
«فهد!!»
فهد مسكها من يدها بقوة وقال:
«ما تركضين! اسمعيني! لو تركضين… بيطيح فيك!»
لكن يدها تفلت… قلبها أقوى من قدميها…
وركضت.
ركضت بكل خوفها… بكل وجعها… بكل صدمة الأيام الماضية.
ركضت وهي تسمع صوت أنفاس أحد يقترب…
وصوت خطوات ثقيلة على الإسفلت…
وصوت شخص يلهث بطريقة مخيفة، مش طبيعية، أقرب لصوت حيوان يتعقب فرسيته.
قبل توصل السيارة، فجأة…
يد قوية تمسك يدها من الخلف.
شدتها بقوة… قوة مرعبة…
قوة ما يشيلها إلا شخص فقد عقله.
وسمعت صوته… قريب… قريب جداً…
صوت ياسر:
«قلت لك لا تركضين… أخيراً مسكتك.»
سارة صرخت، وجسمها كله يرجف:
«فهد!!!»
لكن فهد كان أسرع مما توقعته…
قفز عليه من الجنب، دفه بكل قوته، وصرخوا كلهم في اللحظة نفسها.
وقعوا كلهم على الأرض…
وصار الليل مكسر بأصوات ارتطام وصراخ وخبط.
عمر سحب سارة بسرعة وقال:
«اركبي! اركبي السيارة!»
لكن قبل توصل…
التفتت سارة… وشافت الشيء اللي ما تنساه طول حياتها:
ياسر واقف، ابتسامته ملتوية، وعيونه سودا،
وقال وهو يشير عليها:
«لو هربتي الليلة… أجي بكرة. ولو هربتي بكرة… أجي اللي بعدها.
سارة… أنا ما أطوّف حقّي.»
فهد وقف قدامه، منهك، ويتنفس بصعوبة:
«حقّك؟ هي مو لك.»
ياسر رفع راسه وبهدوء مجنون قال:
«كانت نورة…
والحين دورها.»
الجملة لطمت قلب سارة بقسوة.
عمر صرخ:
«سارة!!! السيارة!!!»
ركضت… ركبت…
والباب انسحب بقوة.
بمجرد ما شغل عمر السيارة…
ياسر انطلق عليهم، يدق على الزجاج، يصرخ بصوت يمزق العتمة:
«سارة!!! لا تروحين!!!»
السيارة انطلقت… وتصاعد الغبار خلفهم…
لكن صراخه…
ظل يجري وراهم…
ظل يلاحقهم لحد ما اختفى الشارع…
لكن صوته…
ما اختفى من رأسها.
وكانت تعرف…
تعرف أكثر من أي مرة:
الخطر ما خلّفوه وراهم… الخطر طلع معهم.
ــــــــــــــــــــــ.