الفصل التاسع والثلاثين
سارة نزلت الدرج خطوة خطوة… كل درجة كانت تصدر صوت أعلى من قلبها.
البيت هادي… هدوء ما يشبه الليل، يشبه شيء يختبئ فيه أحد.
وصلت لآخر الدرج.
أبوها واقف عند باب الصالة، يديه مشبوكة، ملامحه ما تُقرأ.
«وينه؟» سألت سارة بصوت مرتجف.
أبوها أشار للباب الخارجي:
«برا… قال ما يدخل. قال ينتظرِك انتي.»
قلبها ضرب بقوّة.
ليش ينتظرها هي؟
وش يبي؟
وليش نورة كتبت ما تخليه يقرب؟
دفعت باب البيت ببطء… الهواء البارد لَمس وجهها.
وبرّا، عند نهاية الدرج، كان فيه رجل واقف.
مو واضح، الظلام مغطي نص ملامحه.
لكن صوته… صوته ما كان غريب.
«سارة؟»
جسمها تجمّد.
الاسم طاح من لسانها قبل ما تفكر:
«فهد؟»
هو رفع راسه… وفي عيونه شيء بين الحزن والخوف والاعتراف.
«لا تخافين… جيت أقول لك الحقيقة قبل لا يوصل لها غيري.»
سارة تراجعت خطوة:
«أي حقيقة؟ وش علاقتك بنورة؟ وليش جيتني أنا؟»
فهد بلع ريقه… وكأنه يحارب كلمة مو قادر يقولها.
«نورة… كانت تجي تكلمّني قبل ما تموت.»
سارة شهقت:
«تكلمّك؟ ليش؟ ما قالت لي!»
«كانت ناوية تقول لك… بس كانت تنتظر الوقت المناسب.»
سارة حسّت الأرض تهتز.
«تقول لي وش؟»
فهد رفع عينه فيها، تعبان، منهك:
«عن ياسر.»
الجملة لحالها كانت كأنها صفعة.
«وش فيه ياسر؟»
صوتها طلع ضعيف، لكنه مليان خوف.
فهد قرب خطوة، لكنه توقف لما شافها ترجع:
«سارة… ياسر كان يهدد نورة. وكان يراقبكم. وكان…»
سكت. كأنه يخاف يقول الباقي.
«وكان وش؟!» صرخت سارة.
فهد نزل عينه:
«وكان يبغى يقرب منك. من فترة. بس نورة وقفته. نورة… كانت تحميك.»
سارة حسّت الدنيا تصغر.
الأوراق اللي نورة كتبتها… التسجيل… الكلام…
كله صار مفهوم فجأة، مؤلم، واضح.
«ليش… ليش كانت تحميني؟ وش كان يبي؟»
فهد قال بصوت منخفض، كأنه يكسر جدار:
«ياسر… مو الشخص اللي تعرفونه. وهو مرتبط… بشي كبير. أكبر منكم. ونورة… اكتشفت هالشي.»
سارة شهقت:
«هي… ماتت بسببه؟»
فهد رفع راسه بسرعة:
«أنا ما أقدر أقول هالكلمة… لأن ما عندي دليل. بس… نورة كانت خايفة. مرعبة. وكانت تقول إنه لو أحد عرف الحقيقة… بيكون الدور عليك.»
سارة رجعت خطوة وهي تتمسك بالباب.
«أنا؟ ليه أنا؟»
فهد قال بصوت متردد:
«لأن ياسر… مو بس كان يبي يبعد نورة… كان يبي يحطك مكانها.»
السكون صار أطول من الليل نفسه.
سارة تحس صوت قلبها يدوّي في صدرها.
تحس رجلَيها يضعفون… وبرد غريب يمشي على ظهرها.
«فهد… وش يعني مكانها؟»
فهد شال ورقة مطوية من جيبه.
«نورة أعطتني هذي قبل تموت بيوم. وقالت… إذا صار لها شي… أعطيك إياها.»
سارة مدت يدها ببطء.
أخذت الورقة.
فتحتها.
وكانت الرسالة مكتوبة بخط نورة:
"سارة… إذا وصلت لك هذي… اعرفي إن الخطر بدا يقرّب منك. لا تثقين بأحد… خصوصاً ياسر.
سارة… هو ما يحبني… هو يبغاك أنتِ."
سارة تركت الورقة من يدها.
نفسها انقطع.
وكل شيء صار يخوف أكثر من قبل.
فهد رفع راسه وقال بجدية لأول مرة:
«سارة… ياسر مو بعيد. وهو يعرف إنك عرفتي. وأنا ما جئت أحذرك… جئت آخذك من هنا. الليلة.»
سارة رفعت عيونها فيه…
وفي اللحظة نفسها…
الجوال يهتز.
اسم المتصل:
ياسر.