الفصل السادس والثلاثين
الليل كان هادي… هادئ بشكل مو مطمئن. كأنه يسحب الدنيا بهدوء عشان يكشف شيء أكبر من قدرة سارة على احتماله.
بعد ما ردّت على رسالة عمر، وجلست على طرف سريرها… حسّت بشيء غريب. مو خوف… ولا شك…
إحساس قرب… كأن أحد يتابعها.
رفعت رأسها، تطالع زاوية الغرفة. كل شيء طبيعي… لكن روحها ما كانت هادئة.
قامت من السرير ومشت لدرج المكتب. فتحت دفتر نورة القديم. كانت صفحاتها مليانة خطوط رقيقة، وكلمات مبعثرة، وجُمل بدأت بنبرة حزن وانتهت بنبرة رضا.
بين الصفحات… لقَت ورقة مطوية، صغيرة، مكتوب عليها بخط نورة:
“سارة… لا تثقين بالهدوء المفاجئ.”
الجملة سقطت على قلبها مثل حجر. جلست على الكرسي، قلبها يدق بقوة:
– «نورة… وش كنتِ تحسين؟ وش كنتِ تبين تقولين؟»
حاولت تتجاهل شعورها، لكن عقلها رجع للورقة… لابتسامة نورة الأخيرة… لعيونها اللي كانت تخفي أشياء أكبر من ألم المرض.
سارة سكرت الدفتر، وحاولت تنام… لكن النوم كان بعيد جدًا.
… …
عند حدود الفجر، وصلتها رسالة من رقم ما تعرفه:
“فيه كلام لازم تعرفينه… عن نورة.”
سارة مسحت الرسالة بسرعه. تحس جسدها يقشعر من مجرد النظر إلى الرقم.
بعد دقيقة… جاءت رسالة ثانية:
“مو كل اللي يبان صدق… أختك كانت تخاف عليك أكثر من خوفها من نفسها.”
هنا سارة قامت بسرعة، وقلبها يرتجف. مين يعرف هالكلام؟ مين يعرف خوف نورة؟ مين يعرف تفاصيل ما قالتها إلا سارة للدكتور اليوم بس؟
كتبت:
– «مين؟»
الرد جاء ببطء… وكأنه محسوب:
“أحد كان قريب من نورة… وقريب منك.”
سارة حسّت الدم يهرب من وجهها. رجعت تقرأ الجملة أكثر من مرة، لعلّها تتأكد إنه سوء فهم.
لكن بعدها… وصلت كلمة وحدة فقط:
“ياسر.”
سقط جوالها من يدها. صوت ارتطامه بالأرض كان مثل صفعة.
ياسر… اسم كان منتهي… مدفون… لكن الحقيقة؟ ولا مرة اختفى من حياتها.
حاولت تتنفس، لكن صدرها كان ضيق… مرعب… كأن كل الماضي رجع في رسالة وحدة.
رفعت الجوال، بإيد ترتجف، وكتبت بصوت مكسور:
– «ليش تتكلم باسمه؟»
وجاها الرد اللي هزّ عمودها الفقري:
“لأنه… ما ترككم.”
سارة جلست على الأرض، دموعها تنزل بدون ما تحس فيها. كل شيء رجع مرة وحدة:
ألم قديم… جروح ما التئمت… صوت ياسر لما جرّحها… وصمت نورة اللي كان يخفي شي أكبر مما توقعت.
…
وقبل ما تفكر تكتب أي رد… وصلتها آخر رسالة:
“الفصل اللي بعده مو عن موت… عن كشف.”
وتحتها: “استعدّي يا سارة… الحقيقة ما تنام.”
سارة سكرت الجوال بخوف، وتسمع صوت دقات قلبها أعلى من الليل كله.
كانت تحس… إن شيء كبير، شيء مرعب، شيء ما كانت جاهزة له…
قادم.
وكان هذا بداية الفصل اللي يفتح أبواب الماضي على مصراعيه.