حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الخامس والثلاثين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس والثلاثين

الفصل الخامس والثلاثين

صباح اليوم التالي… كان مختلف عن كل صباح مرّ على سارة بعد رحيل نورة. مو لأنه خفيف، ولا لأنه بدون حزن… لكن لأنه صباح مُستوعَب. الحزن موجود، لكنه مو مهيمَن عليها مثل قبل. لبست عباءتها بهدوء، وربطت شعرها بطريقة بسيطة. وقفت قدّام المرآة للحظة طويلة. ما شافت بنت منهارة… ولا شافت ضياع… شافت وجه تعَب كثير، لكن رَجع من جديد. قالت لنفسها: «قوتي جاية من الله… مو من أحد.» … … وصلت العيادة. رائحة الأماكن الطبية كانت تذكّرها بأيام صعبة، لكنها هالمرة مشَت بخطوات ثابتة، كأنها داخلة عشان تكمل آخر صفحة من ألم قديم. الدكتور استقبلها بابتسامة لطيفة فيها شيء من الاحترام: «تفضلي… خذي راحتك.» جلست، وحست قلبها ينبض أسرع شوي… لكنها ما انهارت. فتح الملف، وقال بصوت واضح: «بس حبيت أشرح لك وضع نورة الأخير… وكيف كانت أيامها معنا.» سارة شدّت عباءتها على يدينها، وقالت: «تفضّل… أنا جاهزة.» بدأ يشرح… إن نورة كانت تحاول تخفي ألمها عشان ما تضايق أحد. كانت تبتسم كثير، وتتكلم شوي، وتتحمل أكثر من قدرتها. وإنها في آخر جلسة قالت شيء ما قدر ينساها: “أنا ما أبغى أحد يشيل همي… أبغى قلبي يرتاح بس.” الكلمة ضربت قلب سارة بقوة. تخيّلت أختها وهي تبحث عن راحة ما لقتها. سارة عضّت شفايفها، لكن ما بكت. كانت دموعها واقفة في عيونها… بس ثابتة. ثم قال الدكتور: «ترى نورة كانت دايم تذكر اسمك… تقول إنها كانت تخاف عليك من الحزن أكثر من خوفها على نفسها.» سارة ما قدرت تمسك نفسها… دمعة واحدة نزلت، بصمت شديد، كأنها دمعة وداع متأخر. قالت: «هي دايم كانت أقوى مني… حتى وهي تتعب.» هزّ الدكتور راسه وقال: «الحين دورك تكملين حياتك بطريقة ترضيها… وترضي ربك قبل كل شي.» … … طلعت سارة من العيادة بخطوات أبطأ، بس بقلب أنقى. حسّت إنها فهمت أختها… فهمت صمتها، ابتسامتها، ورحيلها. حسّت إن الله كان يهيئها… مو عشان تنسى نورة، لكن عشان تعرف إن الحب الحقيقي ما يموت… بس يتحول لدعاء. … … رجعت البيت، وفتحت صندوق نورة، طلعت منه شريط شعرها القديم. حطّته على يدها، وحست إن الدفء اللي فيه مو دفء شَعَر… دفء وجود كانت تشتاق له. قالت بصوت منخفض: «يا نورة… والله إني بحاول أعيش مثل ما تبين. والله إني بحاول أقوم… حتى لو طحت.» … … في الليل، وصلتها رسالة ثانية من عمر: “كيف كان يومك؟ أتمنى كان خفيف عليك.” وقفت عند الرسالة شوي… حسّت إن وجوده في حياتها مو صدفة. مو حب… لكن سند هادي، ما يضغط، ما يحاول ياخذ دور أكبر من مكانه. كتبت له: «كان يوم مليان حقائق… بس الحمد لله، قدرت أوقف على رجولي.» ردّ بسرعة: “دامك واقفة… كل شي بعده بسيط.” ابتسمت سارة… أول مرة تحس إن الكلام فعلاً يدخل القلب بدون ما يوجع. … … وقبل ما تنام، كتبت في دفترها جملة وحدة: “ما عاد أخاف من بكرا… دام ربي معي.” ثم أغلقت الدفتر… وانطفأ النور في الغرفة، لكن نور داخلها ظلّ مشتعل— هادئ… ثابت… مثل حياة جديدة بدأت للتو. ــــــــــــــــــــــــــــــ