حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الثالث والثلاثين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والثلاثين

الفصل الثالث والثلاثين

مرت ثلاثة أيام على رحيل نورة… ثلاثة أيام ما كان فيها صوت سارة إلا همس دعاء، ولا خطواتها إلا نحو سجادة الصلاة. البيت اللي كان يضحك بصوت نورة صار هادي بشكل يخوّف… بس سارة ما كانت تهرب من هذا الهدوء. كانت تجلس في وسط الصالة، تضم مسبحتها، وتردد: «حسبي الله… هو حسبي وكفى.» كانت تحس أن كل دمعة تنزل تطهرها من شيء كان يثقل قلبها لسنين. … … في اليوم الرابع، فتحت سارة درج مكتب نورة. موب لأنها تبغى ترتّب… لكن لأنها تحس إن جزء من روحها لسه هناك. وجدت ورقة مطوية، مكتوب عليها بخط واضح: “لا تفتحيها إلا إذا رحلت.” يد سارة ارتجفت. جلست على الأرض، وفتحت الورقة ببطء. كانت رسالة قصيرة… مؤلمة… تنهي كل شيء وتبدأ كل شيء: سارة… إذا قريتي هذي الرسالة، اعرفي إني انتهيت، لكنك انتي لسه قادرة تعيشين. لا تحزنين علي، أنا راضية. بس أوعديني… لا تعيشين مهمومة مثل قبل. ارفعي راسك، وارجعي لربّك، وخلّيني سبب قربك منه… مو سبب حزنك. بحبك، حتى وأنا مو هنا.” سارة انهارت تبكي… بس هذي المرة، بكاءها ما كان كسر… كان تسليم. … … في الليل، طلعت للسطح… المكان اللي كانت تهرب منه زمان. جلست على الأرض، ورفعت يدينها للسماء. قالت بصوت يسمعه الله قبل ما تسمعه الدنيا: «يا رب… خلي فقدها نور لي، مو ظلام… واجعلني أكون مثل ما تمنّت نورة… قريبة منك… مستسلمة لك… وخليني أبدأ من جديد.» كانت كلمة "من جديد" تطلع من قلبها مثل نَفَس أول بعد غرق طويل. … … في اليوم اللي بعده، زارت أبويها لأول مرة من شهور. استقبلتها أمها بدموع وفرح: «يا بنتي والله اشتقنا لك… حسبنا أنكِ ما بترجعين.» سارة ابتسمت ابتسامة فيها صدق عمر: «كنت ضايعة يا يمه… بس الله رجّعني.» حضنت أمها بقوة… وتأكدت أن البيت اللي كانت تهرب منه هو أول مكان لازم ترجع له. … … أما عمر… فوصلته رسالة منها لأول مرة من فترة طويلة: “أحتاج أتكلم معك… بس مو اليوم. اليوم أنا مع نفسي… ومع ربي. بس حبيت أقول: شكراً لأنك كنت أقرب من الوجع.” قرأ الرسالة، وابتسم ابتسامة هادئة. ما رد… لأنه فهم. سارة الآن في مرحلة بناء روحها، قبل قلبها. … … وفي آخر الليل، جلست على السجاد بلا دموع هذه المرة. وقالت دعاءً يشبه بداية حياة جديدة: «يا رب… خذ بيدي، وثبّت قلبي، وخليني أمشي للمستقبل بدون خوف. أنا معك… وأنا لك.» وهكذا… بعد أن انطفأ جزء كبير من حياتها، بدأ نور جديد يولد من داخلها— نور إصلاح… ليس نور نسيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــ لم يكن رحيلها حدثاً… كان انطفاء عالمٍ كامل. منذ أن غابت، صار البيت أوسع مما يجب، والليل أطول مما يحتمل، والقلب أشبه بباب تُرك مفتوحاً للريح. كانت أختي تشبه ضوءاً صغيراً يصرّ على أن يوقظ الحياة في كل زاوية… ضحكتها كانت تمتد مثل طريق نجاة، وصوتها إذا نادتني كان يرمم شيئاً انكسر في صدري دون ما تعرف. وحين رحلت… ما كان الألم صراخاً أو دمعة، كان صمتاً ثقيلاً، كأن للحياة فجوة لا تُردم، وكأن الزمن فقد جزءاً من معناه. أدركت يومها أن الأخت ليست مجرد شخص… هي ذاكرة مشتركة، هي نصف ضحكتك، وكل الأيام الجميلة التي لا تتكرر. أفتقدها في التفاصيل الصغيرة… في النكات التي لا يفهمها غيرنا، في الأشياء التي كنت ألتفت لأشاركها بها، فأجد فجوة مكانها… وفجوة أكبر في قلبي. لكنّي أعرف… أن الأرواح الطيبة لا تغيب تماماً، وأن الله يجبر ما يعجز البشر عن حمله. وأن ذكرى الأخت… تبقى ضوءاً يرافقك في الطريق، حتى لو مضت هي بعيداً عنه.