حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الثاني والثلاثين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني والثلاثين

الفصل الثاني والثلاثين

هاذا رح يكون اطول فصل في الروايه … … كانت الغرفة مظلمة إلا من نور خافت يتسلل من بين الستائر. سارة جالسة على طرف السرير، تمسك بيد نورة اللي تغيب عن الوعي بين لحظة ولحظة. وجع غريب في صدرها، مو وجع بكاء، وجع عجز… لما تشوف أغلى ما عندك يتعب وإنت ما تقدر تسوي شي. قالت بصوت خافت، كأنها تهمس لله أكثر من نورة: «يا رب، ما عاد عندي إلا الدعاء… فأنت الطبيب، وأنت الرحمة، وأنت الأمل اللي ما ينتهي.» فتحت نورة عيونها ببطء، وابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا: «تدرين يا سارة… يمكن الله ما كتب لي أعيش طويل، بس كتب لي أكون سبب تغيّرك.» سارة شهقت، دموعها نزلت بصمت وهي تمسك يدها بقوة: «لا تقولين كذا، انتي بتقومين، وكل شي بيتعدل.» نورة هزت رأسها بخفة: «يمكن التعديل مو بالحياة، يمكن بالتقبل… يمكن ربّي يبي يختبرك بشي يرفعك أكثر مما تتخيلين.» … … سكتت الغرفة. بس صوت أجهزة التنفس كان يحكي عن حرب صغيرة تخوضها نورة كل دقيقة. سارة طلعت للممر، جلست على الكرسي القريب من باب الغرفة. حطت وجهها بين يديها، وكل دعوة كانت تطلع من قلبها مثل طفل ضايع يحاول يلقى أمه. «يا رب، لا تكتب النهاية بهذا الشكل… ما أقدر أشوفها تتعب أكثر.» وقتها حسّت بيد ترتاح على كتفها. رفعت راسها، لقت عمر واقف. ما قال شي… بس نظرته كانت تقول أكثر من ألف كلمة. قالت بصوت مبحوح: «أخاف يا عمر، أخاف أضعف، وأخاف أكره الحياة بعد نورة.» ابتسم بخفة وقال: «اللي عنده الله، ما يفقد الحياة حتى لو فقد الكل. بس اسمحي لنفسك تبكين، ترى القوي مو اللي ما ينهار… القوي اللي ينهار بين يدي ربّه، ويرجع واقف بعدين.» سكتت سارة لحظة، ثم قالت بهدوء يشبه التسليم: «أنا ما كنت أعرف إن الله أقرب من كل الناس اللي خذلوني، إلا بعد ما فقدت الكل.» … … في الليل، جلست سارة بجانب نورة مرة ثانية، وقرأت بصوت مرتجف سورة “يس” كاملة، وكل آية كانت تمسح على قلبها وتقول: “اصبري… الله معك.” ولمّا وصلت عند قوله تعالى: «سلامٌ قولًا من ربٍ رحيم» نظرت إلى وجه نورة، كانت ملامحها ساكنة… وكأن السلام فعلاً وصلها. سارة شهقت بصوت مختنق، مسكت يدها، وصاحت: «نورة! لا تروحين!»"نورة… قومي… قومي طيب… لا تسوين كذا فيني…" ولا أحد رد. جلست جنبها على الأرض، وانكسرت دفعة وحدة… مو بكاء… لا. شي أكبر… صوت ما يطلع من إنسان إلا إذا انقصّ قلبه نصّين. كانت تحط يدها على يد نورة الباردة، وتقول بصوت متقطع: "أنتِ وعدتيني… قلتِ ما تتركيني… قلتِ ما أكون لحالي…" وتطيح دموعها بلا توقف، كأن كل لحظة عاشتها مع نورة رجعت تضربها مرة واحدة. كانت تهز جسم نورة بخفة: "قومي نورة… حتى لو زعلانة… حتى لو مو طايقتيني… قومي بس…" وتسند جبينها على كتفها، وتبكي بصوت يكسر الحجر: "أنا ما أعرف أعيش بدونك… لا تختبريني… لا تختبريني بالله…" وبين كل شهقة… كانت تقول بصوت ينهار: "ليه ربي اختار ياخذ النور الوحيد اللي كان في حياتي؟" لأول مرة… حسّت سارة إن جسمها صار بلا عظم، قلبها بلا نبض. ولأول مرة… تمنت لو الزمن يرجع دقيقة واحدة بس… دقيقة تقول فيها: "نورة لا تروحين." لكن كل شيء كان متأخر… وكل شيء انطفأ… وسارة لحالها، تعصر قلبها على صدر نورة وتبكي كأن الدنيا كلها سقطت فوقها. لكن الصمت كان أصدق من كل الردود. انطفأ كل شيء… : وصول خبر وفاة نورة لوالديها كان البيت ساكن… سكون يخوّف. أم نورة كانت بالمطبخ، تقطع خضار العشاء وهي تتمتم أدعية تحفظها من يوم كانت صغيرة. وأبو نورة كان جالس في المجلس، ماسك مسبحته، يسمع صوت التلفزيون المنخفض. ما كانوا يعرفون إن حياتهم على وشك تنقلب… مو بس تنقلب—تتكسّر. طرق الباب صوت قوي، مو طبيعي، كأنه مو نقرات… كأنه خبر ثقيل واقف ورا الباب ينتظر يُقال. أبو نورة قام، فتح… ولقي الوجه اللي ما كان يتمنى يوم يشوفه واقف، عيونه حمراء، وصوته مكسور: "عمّي… الله يصبّرك." هذي الجملة… سقطت على أذن الأب مثل صاعقة. صمت لحظة، كأنه ما استوعب. رجف صوته وهو يسأل: "مين… مين مات؟" لكن قلبه كان يعرف. يعرف من قبل ينقال الاسم. الشخص اللي واقف قدامه عضّ على شفته، وصوته انقطع وهو يقول: "نــورة… راحت." أبو نورة ما انهار على طول… وقف ثابت لحظة، كأن الزمن جمده. المسبحة طاحت من يده على الأرض، وصوتها وهي ترتطم بالبلاط كان أعلى من الصراخ اللي بيطلع بعد شوي. ارتجف كامل جسده… ورفع يده على صدره، كأنه يحاول يمسك قلبه ويمنعه من السقوط. ثم فجأة… صرخ. صرخة من قلب أب ينكسر لأول مرة. وقع على ركبته، يحاول يتنفس… يمسك وجهه… دموعه تنزل بدون ما يحس. كل كلمة حاول يقولها طلعت مشوهة: "نورة؟… بنتي؟… لا تقول… لا تقول!" أم نورة… سمعت الصرخة من المطبخ. جسمها تجمّد. السكين انزلق من يدها وطاح. ركضت وهي تصرخ: "وش فيه؟! من مات؟!" شافت زوجها على الأرض… شافت الوجه اللي عند الباب… حطّت يدها على فمها، وشهقت… العالم صار ضباب قدام عيونها. سألت بصوت مشروخ: "نورة؟! نورة وش فيها؟! تكلموني!" وبمجرد ما أحد هزّ رأسه تأكيد… سقطت. إغماءة؟ لا… مو إغماءة. هي كانت واعية… لكنها ما كانت موجودة. جسمها انهار… صوت بكاءها انفجر، وارتجّت كل جدران البيت معه. كانت تضرب الأرض بيدها وهي تصرخ: "نــورتي راحت؟ يا الله خذ من عمري وعطها… يا الله رجّعها لي بس دقيقة… دقيقة واحدة." حاولوا يمسكونها، بس الأم المكسورة ما تنمسك. كانت تحضن الهواء كأنه بنتها بين يدينها. كانت تهز جسمها وتردد: "كانت تقول لي برجع بسرعة… قالت لي لا تنتظريني… ليه ما انتظرتيني إنتِ؟ ليه رحتي؟" ثم ضمت صدرها، وانفجرت بوجع ما يشبه أي وجع: "يا بنتي… يا نبضي… كيف تبيني أعيش وأنتِ تحت التراب لحظة تغسيل نورة الغرفة كانت باردة… مو برودتها من الجو، لا… من الصمت اللي يمشي فيها وكأنه يمشي فوق صدر كل من دخلها. أم نورة واقفة على الباب، ما قدرت تدخل. يدها تمسك طرف عبايتها وتضغط عليه بقوة كأنها لو تركته بتطيح. المغسّلة أشّرت لهم يدخلون اثنتين فقط. سارة دخلت… وعيناها مورمتين من البكاء. وصوت خطواتها فوق البلاط كان أضعف من نبض قلبها. شهدت نورة لأول مرة وهي ممددة… مغطّاة بغطاء أبيض، ساكنة، ما فيها ذرة حركة. اقتربت سارة وهي تبلع شهقتها، تمسك فمها حتى ما يطلع صوت. لكن لما رفعت المغسّلة الغطاء عن وجه نورة… سارة انهارت. " المغسّلة كانت تقرأ أدعية بهدوء، صوتها مطمئن… لكن كل ما كانت تقول: "اللهم اغسلها من خطاياها…" كانت أم نورة تبكي بصوت مكتوم خلف الباب، تحاول ما تنسدّ الطريق على اللي يغسّلونها. بدأوا يصبّون الماء الدافئ… وصوت الماء وهو يلمس جسد نورة كان كأنه آخر وداع. سارة كانت تمسك يد نورة… وكانت يدها باردة، ساكنة، بلا روح. قربتها على خدها وهي تهمس بصوت متقطع: "كنتِ تقولين لي ما أحب أوجّع أحد… طيب ليه وجعتيني كذا؟" المغسّلة طلبت من سارة تبعد شوي، لكن سارة رجعت خطوة بصعوبة، كأن رجولها مربوطة في الأرض. كانت تراقبهم يلفون جسد نورة في الكفن الأبيض… طبقة فوق طبقة… ورائحته مثل رائحة الليالي الأخيرة… النظيفة، الهادئة، اللي ما رجعة بعدها. ولما قالوا: "تمّ… جهزت" سارة ما تحملت… نهارت على الجدار، تبكي بصوت مبحوح: "خلاص؟ كذا خلصت حياة نورة؟ بهالبساطة؟ أمس كانت تضحك… واليوم ملفوفة بكفن؟" أم نورة دخلت في هذي اللحظة، رجولها ترجف… ولما شافت بنتها بالكفن… حطّت يدها على صدرها، وصرخت: "بردانة يا يمّه؟ غطيّتوها زين؟" وجثت على ركبتيها، تحاول تلمسها، لكن المغسّلة قالت لها بلطف: "الله يرحمها… خلاص صارت أمانة عند ربها." صوت الأم انكسر: "وأنا وش أسوي بفراشها اللي فاضي؟ وش أسوي بعيونها اللي ما رح أشوفها؟" ما كان في أحد قادر يواسي أحد… الوجع كان أكبر من الكلمات… والغرفة اللي كانت تشهد تغسيل جسد، كانت تشهد أيضاً انكسار قلوب كثيرة في نفس اللحظة. لحظة دفن نورة المقبرة كانت ساكنة… هواء العصر يمشي ببطء وكأنه يخاف يزعج الراقدين. الرجال يحملون الجنازة… وصوت خطواتهم على التراب كان أثقل من الجبل على صدر أبو نورة. كان يمشي جنب النعش، ورأسه منحني، وصدره يعلو وينزل بسرعة… لكن ما كان يبكي. دموع الرجال أحياناً تصير أعمق من إنها تنزل. أما أم نورة… كانت تمسك عباءتها بيد وترفع الثانية تمسح دموع ما وقفت دقيقة. كانت تكرر بدون ما تنتبه: "نورة… يمّه لا تروحين عني… لا تخلّيني." سارة تمشي على يمينها، تسندها من ذراعها، لكن الحقيقة إن كل وحدة منهم كانت تسند الثانية. وصلوا عند الحفرة… لحظة صمت طويلة… النوع اللي يخلي القلب يتوقف خوف. نزلوا جسد نورة برفق… والأقمشة البيضاء تلمع وسط التراب البني. أم نورة صرخت أول صرخة قوية: صوتها اهتز فيه الهواء كله: "يمّه… بردانة! والله بردانة!" وحاولت تتقدم، لكن النساء مسكوها، وهي تصرخ وتكرر: "خلّوني عليها… خلّوني أحط شي يغطيها… بنتي بردانة!" أبو نورة رفع يده على وجهه، وفجأة… ولأول مرة… انهار. وقف على طرف القبر، ركبته انحنت، وصوته خرج مكسور: "يا الله… أخذت نور البيت… خذت ضحكة أُمّها… خذت سند أختها… ليه؟" كان يحاول يتماسك، لكن كلمة “بنتي” انكسرت بين شفتينه كأنها حجر. سارة… كانت ثابتة فترة، لكن لما شافت التراب ينساب على الكفن الأبيض… تسمّرت عيونها. ثم فجأة صرخت: "لااااا… شوي بس…! خلّوني ألمس يدها قبل…" ركضت خطوة، بس وحدة من عمّاتها مسكتها: "لا يا سارة… لا تزيدين وجعك!" لكن سارة كانت تتلوّى تبكي: "بس يدها… يدها كانت دافية أمس… كيف تبرد كذا؟ كيف يندفن صوتها؟" نزل أول كف تراب… أم نورة صاحت: "مو كذا… مو على وجهها! انتبهوا على بنتي!" والنساء حولها يحاولون يهدّونها، لكن ما كان فيه أحد يقدر يخفف شيء عن قلب أم فقدت قطعة من روحها. أبو نورة جلس على ركبته، حط كفه على حافة القبر، وقال بصوت مبحوح يهز الرجال: "الله يرحمك يا بنتي… الله يجعل قبرك روضة… مو ضيقة عليك مثل قلوبنا اليوم." سارة، وقفت على مسافة، دموعها تنزل بدون صوت… وقالت همساً، لكن وصل لأمها وأبوها: "نورة راحت… بس قلبنا تُرك معها تحت." وعندما أغلقوا القبر… حسّوا كلهم إن صفحة انطوت، مو من كتاب… من حياة كانوا يعيشونها معها. … … في صباح اليوم التالي، وقفت سارة عند النافذة اللي كانت دائمًا تبكي عندها، بس اليوم… ما بكت. قالت بهدوء يشبه الرضا: «اللهم اجعلها في مكانٍ لا تعب فيه ولا خوف، واجعلني أعيش كما أرادت لي… قريبة منك، مطمئنة بك.» رفعت وجهها للشمس، وأغمضت عيونها، وابتسمت. لأن بعض الفقد… ما يميت، هو فقط يعلّمك كيف تعيش لله. ـــــ