حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الثلاثين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثلاثين

الفصل الثلاثين

… … مرت ثلاثة أيام بعد انتكاسة نورة الأخيرة. ثلاثة أيام تغيّر فيها شيء كبير داخل سارة… شيء ما عاد يرجع مثل أول. كانت تعيش بين خوف على أختها… وبين رغبة إنها تكمل بناء نفسها. كانت تعيش بين الضعف… وبين القوة اللي الله بدأ يزرعها فيها شوي شوي. لكن أكثر شيء تغيّر… هو قلبها. القلب اللي كان يرتجف من أي كلمة… صار اليوم يفهم، يتأمل، ويهدأ. … … في صباح يوم جديد، كانت نورة جالسة في الصالة، شعرها مربوط بخفة، وملامحها رغم التعب… فيها نور خفيف. قالت وهي تشوف سارة تلبس عبايتها: «تروحين تدريبك؟» سارة تنهدت: «إيه… بس لو تبين أجلس…» نورة قاطعتها بابتسامة ضعيفة: «سارة… ترى مو كل العالم بينهار لو مشيتي نص ساعة. روحي… يكفيني إنك جنب قلبي حتى لو مو جنب جسمي.» الجملة دخلت على قلب سارة مثل بلسم. حضنتها وقالت: «الله يشفيك يا نورة… ما أبي أشوفك تتألمين.» نورة لمست خدها: «الله كبير يا سارة… وحيانًا الوجع طريق للشيء اللي نحتاجه، مو الشي اللي نخاف منه.» … … في مركز التدريب… كانت سارة تمشي في الممر بثقة ما كانت موجودة قبل. حتى المدرب لاحظ. ولمح على وجهها قوة جديدة. قال لها بعد المحاضرة: «سارة… تغيّرتِ. مو بس شكلك… طريقتك في الكلام… حضورك. وش صار؟» سارة ابتسمت بخفة: «الأيام… وربي.» هزّ رأسه: «أحيانًا الله يكسرنا… عشان نوقف صح.» … … وقت الاستراحة… خرجت كالعادة للحديقة. لكن هالمرة… عمر كان موجود قبلها، كأنه ينتظرها. وقف لما شافها: «سارة… كنت أبي أكلمك من كم يوم.» سارة توقفت… قلبها نبضه ارتفع شوي. «خير؟» عمر قرب خطوة… بس مو خطوة مزعجة، خطوة إنسان يحترم المسافة ويخاف يكسر شيء. «أنا… مو أبغى أضغط عليك… ولا أبيك تحسين إني استغل ضعفك. لكن… صرت أنتظر وجودك. وصرت أفكر فيك أكثر مما لازم.» سارة شهقت بصمت. ما كان كلامه مفاجأة… لكن كان أكبر من اللي توقعت تسمعه اليوم. خافت؟ قليلاً. لأن الكلام الصادق دائمًا يخوّف. قالت بصوت منخفض: «عمر… أنا مو جاهزة لأي علاقة… مو في هالوقت.» عمر ابتسم… مو ابتسامة انكسار. ابتسامة تفهّم. «أنا ما قلت نبدي علاقة… ولا أبي استعجل. أنا بس… قلت شعوري عشان يكون واضح. وأبي أقول شيء واحد: إذا الله كتب لك طريق… ما أحد يسبقك فيه. وإذا كتب لي مكان في حياتك… راح يجي وقته.» سارة شعرت إن قلبها يتنفس بعد خوف طويل. قالت: «شكراً لأنك صادق.» عمر ردّ: «الصادق هو اللي يعرف قيمة الإنسان اللي قدامه… ويصبر.» … … المساء… رجعت سارة البيت وهي حاسّة بشعور غريب: مو حب… مو تعلق… لكن بدايات “ارتياح”… بدايات “طمأنينة”… بدايات “نور صغير” يتحرك في صدرها. فتحت الباب… سمعت صوت ضحكة صغيرة. نورة كانت تضحك على شيء تشوفه بالجوال. سارة قالت: «وش يضحك؟» نورة رفعت الجوال: «أقرأ دعاء… يقول: اللهم إن ضاقت صدورنا… فوسعها بنورك. ضحكت لأن أحس الدعاء مكتوب لي… لك… لنا كلنا.» سارة جلست جنبها… وحضنتها: «الله لا يحرمنا النور.» نورة ردّت بخفة: «ولا يحرمنا الناس اللي يجيبون النور.» وسارة… فكّرت في عمر. … … في تلك الليلة… وقفت عند نافذتها كعادتها. المدينة هادئة… والسماء فيها نجمة واحدة لامعة، نفس النجمة اللي صارت تلمع كل ليلة. سارة قالت بطريقة كأنها تحكي لنفسها: «ما عاد أخاف… لأنه لو انطفأت الدنيا… الله بيضيء لي الطريق.» وهكذا ينتهي الفصل الثلاثون… على سارة جديدة، أقوى… ونورة أكثر هدوءًا… وعمر ينتظر… بلا استعجال.