الفصل الثامن والعشرين
… …
مرت ثلاثة أيام على تشخيص نورة.
ثلاثة أيام كانت كأنها اختبار صبر مكتوب لسارة وحدها.
كانت تراقب أختها بكل حركة… كل نفس… كل خطوة.
تحس إنها لو غمضت عينها لحظة، ممكن يصير شيء.
لكن نورة—بنفس هدوئها اللي يشبه الأطفال وقت المطر—كانت تحاول تطمئنها بكل طريقة:
«سارة… أنا مو بطيح. خلاص… عرفنا وش فيني. والباقي على الله.»
سارة تمسح على شعرها:
«أنا بس… أخاف عليك.»
نورة تبتسم بخفة:
«والله لو الخوف يشفي… كان زمانك عالجتيني.»
… …
في الليل، جلست سارة في غرفتها، قرب نافذتها… نفس المكان اللي كانت تبكي فيه قبل شهور.
لكن هالمرة ما كانت تبكي.
كانت تحاسب نفسها.
التقطت دفترها اللي كانت تكتب فيه وقت صدماتها، وفتحت على صفحة قديمة كتبت فيها:
“أنا ضعيفة… وما عندي أحد.”
وقفت عند الجملة.
ضحكت ضحكة صغيرة تشبه السخرية:
«شوفيك يا سارة… كنتِ تشوفين الظلام، مع إن الله كان فاتح لك ألف باب نور.»
مسحت الجملة… وكتبت تحتها:
“ما خاب من قال: يا رب.”
… …
في الصباح، كان لازم تروح تدريبها.
جزء منها ما يبغى يترك نورة… لكن الجزء الثاني يعرف إنها لازم تكمل طريقها.
لازم توقف على رجلين ثابتة.
نورة مسحت على يدها:
«روحي… أنا بخير. وربي معنا مو بعيد.»
كانت الكلمات مثل قبلة على قلب سارة.
… …
وصلت مركز التدريب.
القاعة كانت نفس القاعة… لكن شعور سارة كان مختلف.
جلسَت… وبدأ المدرب يتكلم عن “الصلابة النفسية”:
«أقوى الناس… مو اللي ما يتألمون…
أقواهم اللي يتكسرون… ويرجعون واقفين.»
الجملة دخلت قلبها مباشرة.
لأنها عرفت إنها هي…
وإن نورة كذلك.
بعد الحصة، طلعت سارة تستنشق الهواء.
ومرة ثانية… لقت عمر واقف ينتظر، كأنه يعرف إنها بتطلع في هذا الوقت بالضبط.
اقترب منها وقال:
«كنتِ ساكتة اليوم… خير؟»
سارة رفعت عيونها له.
الإنسان الوحيد اللي شاف خوفها بدون ما تتكلم.
قالت بهدوء:
«خفت… خفت على نورة… وعلى نفسي… وعلى الأيام اللي جاية.»
عمر هزّ رأسه بتفهم:
«اللي يحب… يخاف. بس الخوف ما يعني الضعف.»
«أدري… بس ما أبغى الأيام تكسرني.»
ابتسم عمر ابتسامة قصيرة:
«الأيام ما تكسر اللي على كتفه رب العالمين.»
الكلمة كسرت شيء داخلها…
لكن مو كسر وجع…
كسر طمأنينة.
… …
وقفوا عند السور المطل على الحديقة.
كان الهواء بارد، وصوت السيارات بعيد، والجو يشبه لحظة صمت ما قبل التغيير.
قالت سارة فجأة:
«عمر… أنت ليش واقف معي دائم؟
ليه تحس بكل شيء؟
وليه وجودك صار…»
سكتت.
الهواء وقف معها.
عمر نزل نظره، ثم رفعه بهدوء:
«يمكن… لأنك الشخص الوحيد اللي ما قدرت أتجاهل وجعه.»
سارة ارتجف قلبها.
لكن قبل ما ترد… رن جوالها.
كانت رسالة من أمها:
“نورة نامت كثير اليوم… تعبانة شوية.”
قلب سارة وقع من مكانه.
دمها تجمّد.
قالت وهي تمسك حقيبتها:
«لازم أروح.»
عمر قال بسرعة:
«أوصلك.»
هزت رأسها:
«لا… بروح لوحدي.»
وركضت.
… …
وصلت البيت تتنفس بصعوبة.
دخلت غرفة نورة…
ولقت أختها نايمة، تنفّسها بطيء… وجهها شاحب…
وكأن التعب ماسك فيها أكثر من قبل.
سارة لمست جبينها:
«نورة؟»
فتحت نورة عيونها ببطء… وهمست:
«أنا بخير… لا تبكين.»
لكن صوتها كان ضعيف…
ضعيف لدرجة إن قلب سارة انقسم نصفين.
حضنتها، وقالت بصوت مكسور:
«يا رب… اجبر بخاطري وخاطرها… لا تجعل هذا الابتلاء بداية وجع… اجعله بداية نور.»
ونورة… أغلقت عينيها بسلام، وكأنها تسلّم أمرها كله لله.
وهنا ينتهي الفصل الثامن والعشرون…
على خوف… وعلى أمل… وعلى بداية تغيّر أكبر.