الفصل السادس والعشرين
… …
كان الليل ثقيلًا على سارة.
تحس أن الأيام الأخيرة تمشي بسرعة… لكن قلبها يمشي ببطء شديد.
كأن كل خطوة تتراوح بين خوف وطمأنينة—خوف على نورة… وطمأنينة تشدها نحو الله.
في الساعة ١٢ ليلًا، كانت جالسة عند نافذة غرفتها، تحتسي شاي دافئ، وتكتب في دفترها:
“يا رب… علّمني كيف أكون قوية… بدون ما أقسى. وعلّمني كيف أخاف عليك… وليس على شيء سواك.”
أغلقت الدفتر، ومسحت على عينيها…
البيت كان هادئ، لكن قلبها لا.
… …
سمعت صوت خفيف عند باب غرفتها.
رفعت رأسها…
كانت نورة.
نورة واقفة عند الباب، لابسة عباءتها البيتية، وعيونها فيها لون غريب—لون إنسانة تقاتل وجعًا وتسكت.
سارة قامت بسرعة:
«نورة! ليه ما نمتي؟»
نورة مشت ببطء وجلست جنبها، وكأن جسمها متعب من الداخل.
قالت بصوت ناعم لكن مكسور:
«أبغى أقول لك شيء… بس خايفة.»
سارة قربت يدها ومسكت يد نورة:
«تكلمي… كل شي بيننا ينقال.»
نورة شهقت بخفة… كأنها تحبس دمعة:
«سارة… أحس قلبي مو طبيعي… فيه ألم يجيني كل يوم… ودقاتي تصير سريعة… وأنا… أستخفّ بالموضوع.»
سارة قربت أكثر، ونبرة صوتها فيها رجاء:
«ليش ما قلتي لي من قبل؟»
نورة رفعت عيونها… وقالت بغصة:
«كنت خايفة أثقّل عليك… أنتِ أساسًا متعبة… وأنا ما أبغى أكون سبب هم فوق هم.»
الكلمة كسرت سارة كامل.
أمسكت وجه أختها بكلتي يديها وقالت:
«نورة… إنتِ مو هم. إنتِ نعمة. ولو فيك شيء… روحي قبل روحي.»
انهارت نورة في حضنها… وبكت بصمت.
بكاء خفيف… لكنه يذبح.
… …
بعد دقائق، هدأت نورة، لكن وجهها ما زال شاحب.
سارة قامت:
«جهزي نفسك… بكرة الصبح نروح المستشفى. ما راح نخلي الخوف يتحكم فيك.»
نورة هزّت رأسها ببطء، وكأنها تسلّم نفسها لطمأنينة سارة.
قبل أن تخرج من الغرفة… قالت:
«سارة؟»
«نعم؟»
«لو طلع فيني شي… لا تتركين نفسك. أنتِ قوية… حتى لو أنا مو جنبك.»
سارة أحسّت كلامها مثل سهم.
لكنها ابتسمت رغم الوجع:
«ما راح يصير فيك إلا الخير… والله أرحم من خوفي عليك.»
… …
في اليوم التالي عند الفجر…
كانت سارة تصلي، ودمعتها تنزل وهي ساجدة.
تقول من قلبها:
“يا رب… إن كانت هذه فتنة… فاجعلني أخرج منها أقوى. وإن كان بلاء… فأنزل على قلوبنا رحمتك.”
وبعد الصلاة، جهزت نورة… وخرجوا من البيت.
لحظة وقوفهم عند الباب… شافت سارة عمر واقف عند سيارته.
واضح إنه كان ينتظرهم بدون ما يخبر أحد.
وقال ببساطة:
«أوصلكم.»
ونظرة عيونه قالت كل شيء ما قاله بصوت:
أنا هنا… إذا احتجتوني.
سارة ما تكلمت… بس هزّت رأسها، شكرًا وراحة.
… …
وفي الطريق…
كان الصمت بينهم… لكن خوف سارة واضح.
ويد نورة على صدرها… وكأنها تحاول تهدئة قلبها.
وأول ما وصلوا المستشفى…
بدأ كل شيء يتغيّر.