الفصل الخامس والعشرين
━━━━━━━━━━
كان الضحى دافئًا… والشمس تدخل من نافذة غرفتها كأنها تبشرها بيوم مختلف.
لكن الأيام ما تعترف بالإشارات…
الأقدار تتغيّر في لحظة، بدون سابق إنذار.
وهي ترتّب أغراضها للخروج، جاها اتصال…
رقم تعرفه، لكنها كانت تتمنى ما تشوفه على الشاشة أبدًا.
تجمدت يدها…
وقلبها نزل مكان بعيد.
ردّت… بصوت ما كان صوتها:
«هلا…؟»
جاءها الصوت من الطرف الثاني… هادئ، لكن مليان شيء مثل الألم:
«نحتاج نتكلم… الموضوع ما عاد ينفع نتركه ساكت.»
حسّت كأن الأرض تهتز تحتها.
هذا الصوت…
وهذا الكلام…
رجّعها خطوة للخلف، إلى كل الوجع اللي ظنّت إنها دفنته.
أغلقت الهاتف ببطء…
وجلسَت على الأرض، تحاول تفهم:
هل القدر قاعد يختبر قوتها؟
ولا يبغى يطيحها من جديد؟
وضعت يدها على قلبها:
«يارب… أنت الوحيد اللي يعرف قدّيش أتعبت.
إذا هذا شر… أبعده.
وإذا فيه خير… قوّيني.»
⋯ ⋯ ⋯
قابلته في مكان عام…
ما تبي تكون لحالها معه.
عشان ما يرجع الماضي يعصر روحها مثل قبل.
جلس قدّامها…
ملامحه ما تغيّرت كثير، بس فيها شيء جديد…
ندم؟ خوف؟ أو يمكن شوق؟
هي ما كانت جاهزة تفسّر.
قال مباشرة:
«أنا غلطت… وأعرف إني جرحتك.
بس في شيء لازم تعرفينه… وما أقدر أخليه سرّ أكثر من كذا.»
رفعت عيونها ببرود…
قلبها يدق، بس وجهها ثابت:
«تكلم… ما عاد فيني أهرب.»
تنفّس بعمق…
ثم قال الجملة اللي قلبت حياتها:
«اللي سويته فيك… مو بس بسبب عنادي.
كان في أحد يحرّض… ويحط كلام… ويقلب كل شيء.
وأنا كنت أصدق.»
سقط الكلام عليها مثل حجر.
مو لأنها ما توقعت…
لكن لأن الألم القديم كان أعمق من إنها تسمع مبرراته.
ضغطت على يدها وقالت:
«أنت جرحتني بيدك… بدون ما أحد يجبرك.
ما يهم من حرّض…
أنت اخترت تصدّق.
اخترت تخلّيني أكسَر.»
ارتجف صوته:
«أدري…
وأبي أصلّح…
أبي أعتذر…
أبي فرصة.»
رفعت يدها تقطع كلامه:
«فرصة؟
أنا عطيتك عشر فرص قبل لا تدري.
وعطيت نفسي ألف عذر عشان أصدّقك.
بس خلاص…
قوتي اليوم مو بسببك…
قوتي رغمك.»
⋯ ⋯ ⋯
بعد ما تركته وطلعت…
كان الهواء بارد، لكنه أعطاها شعور غريب:
خفّة.
مو لأنها انتصرت عليه…
لكن لأنها انتصرت على نفسها القديمة:
اللي كانت تخاف، وتنهار، وتتعلّق.
وقفت عند باب سيارتها…
والدمعة نزلت، مو حزناً…
لكن ارتياحًا.
وقالت لنفسها:
«مو كل رجوع… خسارة.
وأحيانًا… الوداع هو أول خطوة للنجاة.»
⋯ ⋯ ⋯
رجعت للبيت، أمها شافتها وقالت:
«وجهك فيه نور…
وش سويتي؟»
ابتسمت بثقة جديدة:
«اخترت نفسي…
وأول مرة أحس إن اختياري كان صح.»
أمها مسكت يدها وقالت:
«الله إذا أخذ… يعوّض.
وإذا كسَر… يجبر.
وأنتِ… جا وقت جبرك.»
━━━━━━━━━━