الفصل الرابع والعشرين
كانت تلك الليلة أثقل من كل الليالي التي سبقتها…
الهواء نفسه كان يشعر بما يدور داخل قلبها، وكأن الدنيا توقفت لحظة احترام لما يحدث في روحها.
جلست على طرف سريرها، وأصابعها ترتجف فوق شاشة هاتفها…
أسماء كثيرة.. ذكريات أكثر… ووجع لا يُحصى.
متنفسة بعمق، قالت بصوت خافت يشبه البكاء:
«يا رب… أنا ماني قوية، بس أنت تقوّيني.
أنا ما أعرف أرتّب حياتي، بس أنت تهديني.
خذ بيدي… قبل لا أطيح مرّة ثانية.»
⋯ ⋯ ⋯
بعد الدعاء، كأن شيء خفيف تحرك داخل صدرها…
مو قوة كاملة…
لكن أول خطوة نحو الشفاء.
طلعت من غرفتها تمشي ببطء، وأمّها تناظرها بنظرة تعرف كل شيء بدون ما تفتح بنتها فمها.
اقتربت منها أمها، ولمست يدها وقالت بهدوء:
«يا بنتي… مو كل اللي يطيح يرجع ضعيف. في ناس إذا وقعوا… رجعوا جبال.»
هذه الجملة كسرت فيها شيء…
وكأنها كانت تنتظر أحد يقول لها كلمة واحدة تصحيها.
انهارت تبكي في حضن أمها…
مو بكاء ضعف، لكن بكاء راحة… بكاء إنسانة حملت فوق طاقتها لسنوات.
⋯ ⋯ ⋯
في اليوم التالي…
وقفت أمام المرآة طويلاً.
تتأمل وجهها، عيونها، التعب اللي صار جزء منها…
لكن لأول مرة لاحظت شيء جديد:
إنها ما ماتت…
ولا انتهت…
ولا راحت نفسها.
هي بس كانت مطفأة…
والحين ترجع تشتغل شرارة صغيرة داخلها.
لبست عباءتها، ربطت شعرها، وخرجت من البيت بنية مختلفة:
«اليوم… ما رح أهرب من ألمي.
اليوم… رح أواجهه.»
⋯ ⋯ ⋯
وصلت مكان عملها، الخطوات كانت ثقيلة…
لكن قلبها ثابت.
دخلت، وبمجرد ما شافوها الزميلات اللي كانوا يطلقون الكلام ويلفون ويدورون… بدأوا يتهامسون.
لكنها ما اهتزت…
رفعت راسها وقالت بابتسامة متماسكة:
«اللي يعرف قيمته… ما يهتم لكلام الناس.»
مشَت بكل ثقة كأنها ملكت المكان…
مو تكبّر،
لكن لأنها أخيرًا بدأت تؤمن إنها تستحق حياة أفضل.
⋯ ⋯ ⋯
في آخر الدوام، جلست على مكتبها وفتحت دفتر كانت تكتب فيه أحلامها القديمة.
قلبت الصفحات…
ضحكت على بعضها…
وبكت على بعضها.
ثم كتبت في الصفحة الأخيرة:
«لا يوجد ضوء بلا ظلام…
ولا نهوض بلا سقوط…
ولا امرأة قوية بدون قصة موجعة.
وأنا… قصتي ما انتهت.»
أغلقت الدفتر…
وخرجت، وعليها شعور واحد:
هي بدأت تُضيء… ولو كان الضوء ضعيف.
لكنه يكبر… وينتشر…
ويصنع حياة جديدة.
⋯ ⋯