حين انطفأت بقيت انا وحدي - الفصل الثالث والعشرين - بقلم همسة حروف - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين انطفأت بقيت انا وحدي
المؤلف / الكاتب: همسة حروف
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والعشرين

الفصل الثالث والعشرين

لم يكن ذلك الليل مثل كل الليالي… كان هادئًا من الخارج، لكنه ممتلئ بالعواصف من الداخل. سارة لم تستطع النوم. كانت تمشي في غرفتها ذهابًا وإيابًا، كأن الأرض تحرق تحت قدميها. كلما تذكرت كلام الطبيب… “احتمال… ما نقدر نستبعده.” كانت تشعر بشي يضغط على صدرها لدرجة الألم. … … عند الساعة الثالثة فجراً، خرجت من غرفتها بهدوء، وفتحت باب غرفة نورة. وجدتها نائمة، وجهها هادئ، صدرها يرتفع وينخفض بانتظام. اقتربت منها، وسحبت الغطاء بخفة على كتفي أختها، وهمست: «يا رب… لا تكتب عليها شر… يا رب أبدل خوفها أمان.» قبلت جبينها وخرجت. لكن قبل ما تغلق الباب… سمعت نورة تهمس وهي نايمة: «سارة… لا تتركيني…» تجمدت سارة. وكأن الجملة كانت خنجرًا ناعمًا طُعن في قلبها. … … رجعت لغرفتها، وجلست على السجادة. مدت يدها للمصحف، فتحته بلا قصد على سورة مريم… وكأن الله اختار لها الآية بنفسه: “وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا.” غمضت عيونها وقالت: «يا رب… أعلم أن كل شيء بقدر… بس قلب الأم والأخت… مو دايم يتحمل بسرعة.» دموعها نزلت على الصفحات… ومع ذلك، كانت تحس براحة غريبة… راحة تشبه يد خفيفة تربت على قلب مكسور. … … مع أذان الفجر، توضأت، وصلت… وبعد الصلاة جلست تدعي بكل ما تبقى منها: «اللهم لا تريني في نورة مكروه. اللهم أنت الشافي… فارفع عنها ما بها. اللهم لا تحزن قلبي عليها.» كانت تبكي بهدوء… لكن كل دمعة كانت تجلب معها قوة من السماء. … … في الصباح، استيقظت نورة وكانت ملامحها أفضل قليلًا. ابتسمت لسارة وقالت: «لا تشيلين هم… أنا اليوم أحسن.» لكن سارة كانت تعرف إن نورة دائمًا تخفي الألم بابتسامة. قالت لها: «اليوم عندنا الفحص المهم… ولازم نكون أقوى من أمس.» نورة هزت رأسها بإيمان: «إن شاء الله… الله بيفرجها.» … … بعد الإفطار، جاء عمر بسيارته ليأخذهم إلى المستشفى. عندما ركبت سارة، قال لها بصوت منخفض: «ما نمت الليل… كنت أفكر فيكم.» لم تنظر إليه… اكتفت بقول: «الله يجزيك خير.» كان هذا الوقت… أكبر من أي كلام آخر. … … وصلوا المستشفى. دخلت نورة قسم التصوير والفحوصات. وسارة بقيت في الانتظار… لكنها هذه المرة لم تكن وحدها. عمر جلس بجانبها. ثم قال: «سارة… مهما كانت النتائج… نورة مو وحدها… وأنتِ بعد.» ما ردّت. كانت تحاول تتماسك، لكن عيونها كانت تهرب منها. عمر أكمل: «هذا مو وقت القوة الظاهرية… هذا وقت إنك تتسندين. مو عيب.» سارة التفتت له… وعيونها ممتلئة بدموع ما نزلت بعد. قالت بصوت مكسور: «أنا مو خايفة على نفسي… أنا خايفة عليها… خايفة أفقدها… وهي أقرب لي من روحي.» عمر مدّ يده، ووضعها فوق يدها بحركة بطيئة… كأنّه يطلب الإذن. ولم تسحب يدها. وقال: «الله أقرب لها منك… وأرحم فيها منك… وما دام بينكم هذا الحب… مستحيل رب العالمين يختبركم بشي فوق طاقتكم.» نزلت دمعة… هذه المرة لم تمنعها. … … خرجت نورة أخيرًا، بوجه متعب. قالت الممرضة: «النتائج بتكون جاهزة بعد الظهر… وترجعون للدكتور.» سارة حسّت قلبها يطيح… لكنها مسكت بيد أختها وقالت: «نمشي… ونسلّم أمرنا لله.» … … رجعوا البيت. نورة دخلت غرفتها ترتاح. وعمر كان واقف عند باب البيت، قال لسارة قبل أن يذهب: «راح أمر عليكم العصر… ما بخليكم تمرّون هالساعة لحالكم.» سارة هزت رأسها بلا كلمة… كانت ممتنة… أكثر مما قالت. … … حين دخلت غرفتها، انهارت مرة ثانية. جلست على طرف السرير، ورفعت رأسها للسماء: «يا رب… أنت القادر… أنت الشافي… أرني رحمتك في أختي… لا تجعل خوفي حقيقة… لا تجعل دموعي وجع.» ثم قالت كلمة من العمق… كلمة خرجت من قلب انكسر ووقف من جديد: “اللهم إني وكلتها إليك… فأنت لا تضيع ودائع عبادك.” انتهى الفصل… على خوف يتصاعد… وإيمان يتمسك بنوره رغم كل العتمة.