الفصل الحادي والعشرين
… …
لم تنم سارة في تلك الليلة بسهولة.
كانت كل دقيقة تمر عليها تحمل ذكرى من الماضي… ووعودًا جديدة من المستقبل.
لكن رغم التوتر…
كانت تشعر براحة لم تعهدها من قبل.
وكأن الله وضع يدًا خفية على قلبها تطمئنه:
“هذه بداية الطريق… وليس نهايته.”
… …
استيقظت مبكرًا.
توضأت، صلّت، وجلسَت تقرأ وردها اليومي.
ثم كتبت في دفتر صغير كانت تحتفظ به:
“اليوم… أبدأ فصلًا جديدًا في حياتي.
اللهم بارك لي، واصرف عني شر الطريق.”
أغلقت الدفتر… وخرجت.
… …
مقر التدريب كان كبيرًا ومنظمًا، يشبه المدارس الراقية.
ممرات طويلة… قاعات واسعة… لوحات مكتوب عليها:
“التغيير يبدأ من داخلك.”
عندما دخلت القاعة، وجدت حوالي عشرين متدربًا… بعضهم يتحدثون، بعضهم صامتون، وبعضهم ينظرون حولهم بخجل.
سارة أخذت مكانًا في الصف الثاني.
وضعت حقيبتها، وجلست بصمت.
بعد لحظات… دخل المدرب.
رجل في الخمسينات، بابتسامة واسعة وحضور قوي.
قال بصوت عميق:
«قبل ما نبدأ… أبي كل واحد فيكم يعرّفنا باسمه…
ويقول: ليه هو هنا؟
وش يبغى من هالفرصة؟»
بدأوا واحدًا تلو الآخر.
كل شخص له قصة… له سبب… له وجع.
ثم جاء الدور على سارة.
وقفت…
كانت تشعر بأن كل العيون عليها، لكن قلبها ثابت.
قالت بهدوء:
«أنا سارة…
وجيت هنا مو بس عشان أتغير…
لكن عشان أستعيد نفسي اللي ضيّعتها من سنوات.
وأثبت لنفسي… إن الله إذا كتب طريق، ما في أحد يقدر يوقفه.»
ساد صمت صغير…
ثم هز المدرب رأسه بإعجاب.
«جميل جداً… تفضلي.»
جلست سارة… ونفسها يطلع بثقل، لكنها تشعر بأنها قالت الحقيقة كما هي.
… …
مرت ساعات التدريب الأولى سريعًا.
نقاشات… تمارين… مواقف تمزج بين الضحك والجدية.
لكن في وقت الاستراحة، خرجت سارة للهواء.
وقفت عند الحديقة الصغيرة خلف المبنى.
سمعت صوت خطوات خلفها.
التفتت…
فرأت عمر يقترب منها.
وقف على بعد خطوة، وقال بابتسامة هادئة:
«عرفت إنك انقبلت… توقعت أشوفك هنا.»
سارة ضمت يديها معًا، دون أن تبعد نظرها عنه.
«إيه… بداية جديدة.»
قال عمر بنبرة فيها شيء يشبه الفخر:
«بداية تستاهلينها…
وتدرين؟
كل خطوة قاعدة تاخذينها… تبين إنك رجعتي أقوى من قبل.»
سارة ما ردت… لكن ابتسامة خفيفة هربت منها.
… …
قبل أن يكمل حديثه، رن هاتفها.
كان اتصالًا من البيت.
ردّت بسرعة:
«ألو؟ ماما؟ خير؟»
جاء صوت أمها… لكن مو مثل العادة…
كان صوتًا متوترًا:
«سارة… أختك نورة… حسّت بدوخة قوية… وطيحَت.»
سارة تجمّدت.
دم قلبها نزل.
«جاية… جاية الحين…»
قفلت الخط دون أي كلمة أخرى.
نظر لها عمر بقلق:
«وش صار؟»
قالت وهي ترتجف:
«نورة… تعبت مرة ثانية.»
قال مباشرة:
«يلا… نمشي. أنا أوصلك.»
ما ناقشها… ما سأل كثير… فقط أخذ المفتاح من جيبه وفتح الباب لها.
ركبت…
والطريق كله كان قلبها يدق بقوة موجعة.
كانت تقول في سرها:
“يا رب… لا تمتحن صبري في أعز الناس.”
… …
وصلوا البيت.
ركضت للداخل…
وجدت نورة جالسة على الكنبة، وجهها شاحب جدًا، ويدها ترتجف.
ركعت سارة عند قدميها، أمسكت يدها:
«نورة! وش فيك؟»
قالت نورة بصوت ضعيف:
«بس… تعبت شوي…
لكن أقسم… إني بخير.»
لكن سارة عرفت إنها تكذب.
وعرفت إن هناك شيء أكبر يحدث.
… …
مسحت على رأسها وقالت:
«اسمعيني…
من اليوم ورايح… ما راح أتركك لحظة.
وإذا في شيء تخبّينه… لازم تقولينه لي.»
رفعت نورة عيونها…
كان فيها حزن، تعب، واستسلام.
همست:
«سارة…
أنا مو بخير زي ما أقول.»
جملة… كانت مثل سكين انغرس في قلب سارة.
… …
تجمد الوقت.
تجمّد الهواء.
وتجمّد عمر اللي كان واقف عند باب الصالة يراقب المشهد بصمت.
أما سارة…
فكانت تحاول تتنفس…
لكن صدرها كان يرفض.
قالت بصوت مكسور:
«نورة…
قولي…
وش الموضوع؟»
رفعت نورة يدها على يد سارة، وقالت بارتجاف:
«أنا…
أخاف أكون… مريضة.»
وانتهى الفصل…
عند بداية خوف جديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ