الفصل العشرين
… …
جاء يوم المقابلة… اليوم اللي كانت تنتظره سارة من سنوات، وليس من أيام فقط.
يوم يشبه بداية طريق… أو نهاية طريق قديم انتهى بالحكمة.
صحّت مبكرًا… توضأت، وصلّت، وجلست على سجادة الصلاة لحظة طويلة وهي تقول:
“يا رب… أنت تعلم وأنا لا أعلم.
اكتب لي الخير، واصرف عني ما ليس لي.”
كانت تقولها بقلب مطمئن… لأنها مؤمنة إن الله إذا كتب شيئًا، فهو خير مهما بدى غريبًا.
… …
لبست ملابس بسيطة ومرتّبة… وطلعت.
كانت تمشي بثبات… لكن داخلها شيء واحد فقط كان يرجف:
“هل أنا مستعدة؟”
وقفت عند باب المبنى، رفعت رأسها، تنفست بعمق، وهمست:
“اللهم معي… فلن أخاف.”
… …
دخلت قاعة المقابلة.
ثلاثة أشخاص يجلسون أمامها… وجهاز تسجيل يعمل.
ابتلعت ريقها… وجلست.
المقابلة بدأت بسؤال عادي… ثم سؤال أصعب… ثم سؤال يختبر صبرها… ثم سؤال يختبر صدقها.
كانت تجاوب بهدوء… وبثقة ما كانت تعرفها في نفسها قبل.
لكن فجأة…
… …
دخل شخص المكان.
لمحت سارة طرف وجهه… رفّ قلبها لحظة، ليس خوفًا… لكن صدمة.
إنه سامر.
الشخص اللي كان قبل سنوات سببًا في حزن طويل… واللي اختفى فجأة من حياتها، تاركًا خلفه علامة سؤال كبيرة.
رآها، توقف، وتجمّد لثوانٍ… قبل ما يبتسم ابتسامة باهتة.
سارة ما قالت شيء…
كل اللي سوتّه إنها نزلت نظرها، وقالت في سرها:
“يا رب… هذا امتحانك الجديد… قوّيني.”
… …
بعد لحظة، سألتها المحاوِرة:
«سارة… ما هو أكبر درس علمتك الحياة إياه؟»
رفعت سارة رأسها…
نظرت لهم بثبات… وقلبها كان يصارع وجود سامر.
لكنها أجابت:
“أن كل شيء فقدته… كان الله يستبدله بما هو أفضل.
وأن الله إذا أغلق بابًا… فتح بابًا أكبر مما توقعت.”
أحد المحاورين ابتسم بانبهار.
والثانية هزت رأسها بإعجاب.
أما سامر…
كان ينظر لها وكأنه يرى فتاة لم يعرفها يومًا.
… …
بعد المقابلة، خرجت سارة… وقفت عند الشارع، تنتظر سيارة الأجرة.
سامر لحقها.
«سارة… لحظة.»
وقفت.
تنفّست بعمق.
وتجهزت لأي شيء.
قال بصوت منخفض: «ما توقعت أشوفك هنا… وبصراحة—
تغيّرتِ كثير.»
نظرت له بثبات…
وابتسامتها كانت هادئة، بلا وجع، بلا ترجي، بلا خوف.
«كلنا نتغير… واللي ما يتغير يبقى عالق بالأمس.»
سامر بلع ريقه…
وكأنه فهم إنها مو نفسها…
وإن الباب اللي كان يظنه مفتوح… انغلق بهدوء.
… …
رجعت سارة البيت وهي تحمل مزيج غريب من المشاعر:
صدمة… قوة… إيمان… وراحة.
صلّت ركعتين شكرًا لله…
وجلست عند نافذتها، تنتظر النتيجة.
لكن قبل المغرب… رن هاتفها.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
“نبارك لك… تم قبولك في البرنامج.”
سارة حطّت يدها على فمها… الدموع نزلت من عيونها بسرعة.
مو دموع خوف…
ولا ألم…
ولا جرح.
كانت دموع شكر.
قالت بصوت مرتجف:
“اللهم لك الحمد…
ما خيّبت ظني فيك يوم.”
… …
وبينما كانت تمسح دموعها…
شعرت إن حياتها بدأت تنير من جديد…
مو لأن الظلام اختفى،
لكن لأنها هي…
أضاءت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ