الفصل السابع عشر
… …
استيقظت سارة ذلك الصباح بطريقة مختلفة.
مو لأن الليل كان خفيف…
لكن لأن قلبها كان أخف للمرة الأولى من شهور طويلة.
كانت تناظر السقف وتتنفس بعمق…
كأنها تتأكد إنها ما زالت هنا، وإن الحياة ما انتهت في المكان اللي كانت تظنه النهاية.
… …
نورة بخير.
هذي كانت أعظم نعمة، وأكبر راحة.
ولأول مرة…
سارة تسمح لنفسها تفكر بوضوح:
“أنا وصلت لقاع الوجع…
وما بقي إلا أطلع لفوق.”
… …
وقفت عند المرآة، نظرت لنفسها بتركيز مو بس على وجهها…
لكن على ملامح الروح اللي تغيرت.
كانت تقول بهمس:
«مو لازم أكون قوية…
بس لازم أحاول.»
… …
بعد ما طمنت على نورة في المستشفى، رجعت البيت وبدأت تسوي شيء ما قد سوتّه منذ فترة طويلة:
ترتيب حياتها.
أول شيء سوّت…
فتحت درج كانت تخاف تفتحه.
درج فيه رسائل… هدايا… وجروح قديمة.
نفس الدرج اللي كانت ترجع له كل مرة تبكي…
ونفس الدرج اللي كان يذكّرها بمن جرحوها وانتهوا.
مسكت أول ورقة…
ضحكت ضحكة موجوعة:
«أنا كنت أعيش على بقايا ناس… ما استحقّوني.»
… …
واحدة ورقة… وراء الثانية…
رمتهم كلهم.
كل رسالة… كل ذكرى… كل لحظة خذلان.
وقلبها يقول:
"أحيانًا لازم تنظف المكان… عشان يدخل نور جديد."
… …
بعدها… فتحت دفتر كانت تكتب فيه أيام قوتها الأولى.
قرأت جملة كتبتها قبل سنوات:
“إذا أكلتك الحياة… لا تعطيها طعم الاستسلام.”
سارة ابتسمت…
وكأنها تقرأ رسالة من نفسها القديمة لنفسها الحالية.
… …
وقفت، ولبست عبايتها، وأخذت قرار ما فكرت فيه من قبل:
بتغيّر وظيفتها.
بتدخل دورة تطوير.
بتتعلّم شيء جديد.
بتسوي شيء لها… لها فقط.
… …
راحت لمركز تدريب قريب.
وقفت عند الباب، قلبها يدق بسرعة؛
مو خوف…
لكن شعور غريب اسمه خطوة أولى.
دخلت…
والاستقبال رحّب فيها.
قالوا لها:
«في دورة تبدأ الأسبوع الجاي… تطوير ذات وتخطيط للحياة.»
سارة حسّت قلبها ينفتح على شيء مفقود من زمان.
سجلت بدون تفكير.
… …
طلعت من المركز وهي تشوف الدنيا مختلفة.
حتى الهواء كان أحلى.
حتى الشارع اللي تمشي فيه، كأنه يبتسم لها.
همست لنفسها:
“أنا مو سارة اللي كانت تبكي…
أنا سارة اللي تقوم بعد كل شيء.”
… …
رجعت المستشفى، وجلست عند نورة.
كانت أختها أعلى شوي من قبل، وعيونها فيها نور بسيط.
قالت نورة بابتسامة ضعيفة:
«شكلك متغيّرة… وش صاير؟»
سارة ضحكت وقالت:
«قررت أبدأ…
أبدأ من نقطة أنا اختارها… مو نقطة فرضتها الحياة علي.»
نورة مدت يدها لها:
«وأنا معك… دايم.»
… …
وفي نهاية اليوم…
كانت سارة تمشي في ممر المستشفى وكأن الأرض صارت خفيفة…
كأن الحياة تعطيها فرصة ثانية.
وقالت بصوت واثق، لأول مرة بدون خوف:
“من اليوم… أنا أبني نفسي… لي، وللي يستاهلون وجودي.”