الفصل السادس عشر
… …
مرّت ليلة الحادث كأنها سنة، وسارة كانت تمشي في الممر الطويل للمستشفى كأن الأرض شايلة معها خوف أيام طويلة… مو بس حادث نورة.
كانت كل خطوة فيها سؤال… وكل سؤال فيه وجع.
… …
أول ما طلع الصبح، دخلت على نورة مرة ثانية.
كانت نايمة، وجهها هادي، والتنفس أخف من قبل.
سارة وقفت عند باب الغرفة، تطالعها وتقول بصوت داخلي ما أحد يسمعه:
“اللهم… خلّي هالبنت تضحك من جديد، أنا ما أقدر أشوفها تتألم.”
… …
رجع أبوها وجلس جنب نورة، وبعد دقائق بسيطة فتح موضوع ما توقعت سارة تسمعه اليوم:
«سارة… انتي بخير؟ أحسك من يومين مو مثل عادتك.»
سارة ابتسمت ابتسامة مُتعَبة… ابتسامة شخص يحاول يخبي جبل وراء ظهره.
«أنا بخير يا يبه… بس خوفي على نورة كسرني شوي.»
أبوها هزّ رأسه بحزن وقال:
«أنا أعرفك…
إذا كنتِ زعلانة من شيء قولي.
الناس ما تستاهل تكسر قلبك… لا تعطين أحد فرصة يوجعك.»
… …
الكلمات طاحت في قلب سارة بقوة…
كأن أبوها لمس الجرح اللي كانت تخبيه عنه.
لكنها التزمت الصمت… لأن الصراحة بتفتح أبواب ما تبيها.
… …
طلعت من المستشفى للحظات تغير جو…
الهواء كان بارد، والغيم ثقيل، وكأن السماء تحس بلي داخل سارة.
كانت تمشي قدام المبنى… إلين سمعت صوت مألوف:
«سارة؟»
التفتت… وكان عمر واقف، شايل كوب قهوة، يعطيها ابتسامة خفيفة كأنها تقول:
“أنا هنا… بدون ما أفسر وجودي.”
اقترب منها وقال:
«كيف نورة؟»
سارة تنهدت:
«أفضل… الحمد لله. لكنها ضعيفة جدًا.»
عمر مدّ لها كوب قهوة دافي:
«هذا لك… أدري إنك ما نمتي أمس.»
سارة أخذت الكوب بيد ترتجف شوي، وقالت:
«عمر… ليه تسوي كل هذا؟»
ابتسم وقال بهدوء يخوّف القلب ويلامسه بنفس الوقت:
«لأن في بعض الناس… وجودهم مو واجب، لكنه رحمة.»
… …
هالجملة كانت مثل صوت ينزل على جرح مفتوح… ما يشفيه، لكن يهدّيه.
سارة جلست على كرسي قدام المستشفى، وعمر جلس جنبها بدون لا يتكلم كثير.
وتعلمت إن في ناس تقرّبهم الظروف… مو الكلام.
… …
بعد ساعة رجعت لنورة.
ولقَتها تصحى شوي شوي.
رفعت يدها، ولمست يد سارة بخفّة، وقالت بصوت واهي:
«لا تبكين مره ثانية… عندي شعور إنك بكيت كثير بسبب الناس الغلط.»
سارة ضحكت ضحكة مكسورة:
«عرفتِ؟»
ردت نورة بابتسامة ضعيفة:
«أعرفك أكثر من نفسك.»
… …
واللحظة هذي كسرت شيء…
لكن مو كسرة وجع…
كسرة “راحة”.
سارة فهمت إن الدنيا تاخذ… لكنها تعوض.
تسرق منك ناس… لكنها تعطيك ناس أفضل.
توجع قلبك… لكن تعيد بناؤه بطريقة أقوى.
… …
وفي نهاية اليوم، وهي واقفة عند نافذة المستشفى تطالع الشارع من فوق…
همست لنفسها:
“يمكن هذا اليوم كان بداية…
مو بداية قوة…
لكن بداية أني أرجع أعرف من أنا.”
… …
وغمضت عيونها على وعد ما قالته بصوت عالي…
لكن قلبها صدّقه:
“انتهى وقت الانكسار… وبدأ وقت العودة.”