الفصل الرابع عشر
…
…
مرّت ليلة سارة بعد صدمة ياسر
بطيئة… ثقيلة…
كأن الزمن نسى يعدّي.
ما نامت…
كانت تسمع صوت قلبها وهو يحاول يلملم نفسه من جديد.
…
…
مع أول ضوء فجر…
قامت من سريرها بدون ما تفكر.
شي جواها كان يدفعها…
شي أقوى من الحزن نفسه.
وقفت قدّام المراية.
شافت بنت بعيون منتفخة،
وجه مرهق،
لكن…
في نظرتها شيء جديد.
شيء يشبه العناد الجميل،
العناد اللي يخلق القوة من الألم.
…
…
همست لنفسها:
**
“والله ما راح أضيع نفسي علشان أحد.
اللي يكسرني…
ما يستاهب حتى أشوفه.”
**
…
…
نزلت تحت،
قابلت أمها بالمطبخ.
كانت الأم تلاحظ كل شيء…
نظرة، خطوة، طريقة تنفّس.
قالت الأم بهدوء يخوّف:
«سارة… إيش فيك؟
أنا أعرف وجوه بناتي…
وهذا وجه أحد موجوع مو شوي… كثير.»
سارة حاولت تبتسم…
لكن الدموع سبقتها.
جلست،
ومسحت عينها بسرعة كأنها تخاف من الاعتراف.
قالت بصوت مخنوق:
«أمي…
في ناس…
مو بس يوجعون…
يسحبون روحك معاهم.»
…
…
الأم قربت منها،
مسكت يدها،
وقالت بكلمات تشبه الدواء:
**
“يا بنتي…
اللي يجرّحك اليوم،
الله ينزع أثره بكرة.
لا تربطين قيمتك بشخص…
الناس يجيون ويروحون،
لكن الله ثابت…
والقوة اللي داخلك ثابتة بعد.”
**
…
…
سارة لأول مرة…
سمعت الكلام بقلب مفتوح،
مو قلب منكسر.
هزّت رأسها،
وقالت:
«أمي…
أنا خلاص…
ما عاد أبي أحد يعتمد عليه.
ببني نفسي…
وأوقف من جديد.»
…
…
وبعد الظهر،
رجعت سارة لغرفتها،
وجابت دفترها.
لكن هالمرة…
ما كانت تكتب حزن.
كانت تكتب قرار.
كتبت:
**
“من اليوم…
أبدأ من نفسي.
أعلّم قلبي إنه يكفي.
أعلّم روحي إن الحياة أكبر من شخص،
وأقوى من جرح.
أنا بنت انهارت…
لكن ما عمرها استسلمت.”
**
…
…
وقبل المغرب…
قررت تمشي تمشية قصيرة.
تغيّر جوها…
تغيّر دواخلها.
وهي تمشي،
كانت تحس الهواء يمر على خدّها كأنه يقول:
“قومي… ترى الله يفتح لك.”
…
…
وفي الطريق…
جاء صوت من خلفها:
«سارة؟
أنتِ سارة… صح؟»
التفتت.
كان عمر…
جار قديم،
إنسان محترم…
شخص ما له علاقة بياسر ولا بعالمها القديم كله.
ابتسم وقال:
«صار لي فترة أشوفك مو بخير… كل شي تمام؟»
سارة ترددت…
لكن لأول مرة تحس إن أحد يسألها
مو عشان فضول…
لكن عشان اهتمام حقيقي.
قالت بابتسامة مترددة:
«أنا… أحاول أكون بخير.»
هزّ رأسه بلطف:
«وهذا يكفي… أحيانًا المحاولة بحد ذاتها شجاعة.»
…
…
الكلمة هذه دخلت قلبها…
مو كحب،
لكن كـ طمأنينة.
كأن شخص يقول لها:
"ترى الدنيا مو كلها مثل ياسر."
…
…
رجعت للبيت،
وكتبت آخر سطر في الدفتر:
**
“أنا مو ضحية.
أنا ناجية.”
**
…
…
ومع هذه الجملة…
بدأ فصل جديد في حياة سارة،
فصل ما فيه انكسار من أحد،
ولا اعتماد على أحد،
ولا خوف من أحد.
فصل…
اسمه:
القوة التي وُلِدت من الرماد.