الفصل العاشر
“الحقائق التي تأتي متأخرة… لكنها تغيّر كل شيء”**
راحت سارة للموعد قبل الوقت بربع ساعة.
الجو كان ثقيل…
والغيم فوقها كأن السماء تراقب،
وتحذرها من شيء ما تعرفه.
…
الكافي كان شبه فاضي،
وأصوات الملاعق مع الأكواب تتردد بشكل هادي وبارد.
اختارت طاولة في الزاوية…
قريبة من الشباك،
وكأنها تبغى مخرج لو حسّت بخطر.
…
بعد دقائق…
دخلت ريم.
كانت ملامحها مختلفة…
أنحف، أهدى، لكن في عيونها تعب كثير.
ريم جلست قدامها بدون مقدمات.
نظرت فيها نظرة طويلة…
نظرة شخص يعرف خبر بيكسر اللي قدامه.
قالت بهدوء:
«سارة… قبل ما أبدأ…
أبغى منك شجاعة.»
…
سارة بلعت ريقها:
«قولي كل شيء.»
…
ريم حطّت يدها على الطاولة…
وكأنها تثبّت نفسها قبل ما تتكلم:
«ياسر… ما يضايقك لأنه يكرهك.
ولا لأنه يبي يثبت نفسه.»
سارة رفعت حاجبها،
مو مستوعبة:
«طيب ليه؟»
…
ريم حنت راسها شوي،
وقالت بجملة واحدة كسرت الهواء:
«لأنك تشبهين الشخص اللي دمّر حياته.»
…
الدنيا توقفت.
سارة ما فهمت.
وشبه مين؟
وش علاقة حياته فيها؟
سارة سألت بصوت منخفض:
«تشبه مين؟»
…
ريم تنفست بعمق،
وقالت:
«أخته.»
…
سارة اتسعت عيونها.
ما توقعت هالاسم.
ما تعرف عنه ولا تعرف عنها.
ريم كملت،
وصوتها ينكسر كل ما اقتربت للحقيقة:
«أخته كانت مثلك…
طيبة، محترمة، تبني نفسها بنفسها…
وكان هو أكثر واحد يضغطها،
يطعن ثقتها،
ويقلل منها،
إلين… انهارت.»
…
سارة غطّت فمها بيدها،
والدمعة ثبتت على طرف عينها،
ترفض تنزل.
ريم أضافت:
«طلع إن الضغط اللي كان يسويه عليها…
مو بس كلام.
كان يمنع عنها فرص،
يخرب عليها في شغلها،
يحرجها قدام الناس…
زي ما يسوي معك بالضبط.»
…
سارة همست:
«بس… ليه؟»
ريم ردّت:
«لأنه يخاف من أي أحد أقوى منه…
وأخته كانت قوية.
بس ما كانت تدري إنها قوية…
لين فات الأوان.»
…
قلب سارة انقبض،
وأحست بخوف مو عليها…
خوف عليها وعلى كل شخص يشبهها.
سألت ريم:
«وهي… وينها الآن؟»
ريم خفضت عيونها…
وبصوت شبه مكسور قالت:
«ماتت قبل سنة.»
…
الصوت توقف في صدر سارة.
كأن أحد سحب الهواء من المكان كله.
ريم مسحت دمعة:
«واللي قتلها… مو شخص.
اللي قتلها… الحرب النفسية اللي عاشتها.»
…
سارة ارتجفت يدها.
تذكرت كل كلمة قالها لها ياسر…
كل نظرة،
كل مرة حاول يحسسها إنها صغيرة،
كل شكوى،
كل هجوم.
عرفت فجأة…
إن الموضوع مو شغل.
الموضوع أعمق…
وأخطر.
ريم قالت آخر شيء:
«سارة…
ياسر يشوف فيك قوّة كانت عند أخته.
قوة يخاف منها.
عشان كذا يبغاك “تنكسرين” قبل ما تكبرين.»
…
سارة رفعت راسها ببطء…
تحس بشيء جديد يولد داخلها.
مو خوف.
مو غضب.
وعي.
وعي يخلي كل شيء يتغير.
…
ريم قالت:
«سارة… لو ما وقفتي الآن…
راح تسوين نفس نهايتها.
وأنا… ما راح أسمح.»
…
سارة تنفست بعمق،
ومسحت دموعها بإيد ثابتة،
وقالت:
«لا تخافين…
أنا مو نهايتها.
أنا بدايتي.»
…
ذلك اليوم…
بدأت المرحلة الجديدة.
مرحلة ما عاد فيها سارة ضحية.
مرحلة الوعي،
والحقيقة،
والنهوض الحقيقي.
والفصول الجاية…
بتكون أقوى بكثير.