عزلاء الهتان - الفصل الخامس عشر : القرار - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر : القرار

الفصل الخامس عشر : القرار

انتهى الأمر بركوب ميس على ظهر "برق" برفقة هتّان، بينما ركب بقية الفرسان خيولهم، مغادرين المرجان. تركوا خلفهم صفوفاً من نظرات الكره المتقدة، ونظرات الدهاء الخفية، والحزن العميق. والدة ثريا لم تعرف إن كانت تفرح لأن ابنتها نجت من النحر، أم تبكي لأن ابنتها لن تطأ أرض المرجان من جديد، وقد أصبحت وديعة للعدو. أما أبلج، فكان على وشك أن يقتل أي أحد أمامه. كان شعوره بالخزي أكبر من أي شيء آخر؛ فقد خسر لتوه حقه في الشرف، والسبب هو زعيم القبيلة، بن ناصر، الذي سلّم حقه إلى هتّان بصفقة تجارية مُهينة. تقدم بن ناصر نحو أبلج، كان سيضع يده على كتفه محاولاً تهدئته، لكن أبلج سحب نفسه بعنف، وكانت نظراته نارية، عيناه تشتعلان بغضب خامد. سأل أبلج بن ناصر بحدة وقسوة لاذعة: "كيف تفعل ذلك بي ايها الزعيم ؟ كيف تأخذ مني حق شرفي وتُسلّمه للعدو؟" ابتسم بن ناصر ابتسامة باردة ومحسوبة، وأخبره: "هل تظن أنني سأترك الأمر يمر مرور الكرام يا أبلج؟" اعتدل أبلج في وقفته، يسأله بشيء من الشك والريبة: "ما الذي ستفعله؟ ابنتك ستتزوج من الدهّام، وهي بهذا آمنة هناك! أين نفعنا نحن؟" وضح بن ناصر، وقد أصبحت نبرته أكثر دهاءً وبروداً، كاشفاً عن خطته الملتوية: "اسمع يا أبلج. شرط زواجها ليس سوى غطاء. الآن، شروط الاتفاقية ستتغير تماماً. المرجان ستصير قادرة على دخول أراضي الدهّام بحجة العلاقات الجديدة، ولن يكون الأمر مجرد عبور بالبضائع بالمجان." تابع بن ناصر بلهجة تُشعل الحقد في قلب أبلج: "وليس هذا فقط. يمكننا الاستفادة منها بطرق أخرى، كمعرفة نقاط ضعفهم مثلاً. ثم ماذا؟ ثم تدمير الدهّام من الداخل بهدوء. لن نكون أغبياء كرجال زمان؛ نقيم الحرب من أجل امرأة فقط ونخسر كل شيء. بل سنضمن قوتنا، ونكشف نقاط ضعف غيرنا. ثم يمكن لأبلج أن يفعل ما يشاء، ويمكنك أن تقطع رأس هتّان وتأخذ شرف ثريا... أو تترك الأمر لرجل آخر يشرف على الحرب." تغيرت ملامح أبلج، لكن وجهه لا يزال يحمل الغضب. لم يقتنع بكل هذا الدهاء، فهو رجل حرب، لا رجل سياسة. و أعلن بصوتٍ مرتجف من الغضب المكتوم: "لن أسمح لأحد أن يأخذ حقي في الشرف! أنا من سأفعل ذلك، وليس أي رجل آخر!" اكتفى بن ناصر بايماءة براسه بين ينظر الى بقية رجال المرجان الذي يحيطون به وكأنه يطمئنهم ان الامر لم ينتهي بعد بل هو يبدأ الان ... كانت الخطة قد بدأت بالفعل، وباتت ميس، عروس الدهّام المكرهة، هي بذرة التدمير التي زرعها بن ناصر في قلب قبيلة هتّان. ______ كانت ميس تركب خلف هتّان على صهوة حصانه، جسدها متيبّس، ويدها تمسك بطرف ردائه كي لا تسقط، بينما الريح تعصف بثوبها وعقلها معًا. لم يكن الصمت الذي يلفّهم صمت طريقٍ عابر، بل صمت صدمةٍ ثقيلة. الجميع كان صامتًا… فرسان الدهّام خلفهم، ورجال المرجان الذين بقوا يراقبون انسحابهم من بعيد، كأن الكون كله توقف عن الكلام. قبيلتان لم تعرفا في تاريخهما إلا الحرب. المرجان والدهّام… عدوان أبديّان. حتى عندما وُقّعت الاتفاقية يومًا، كان أول بنودها: القطيعة التامة، ومنع النسب، وغياب الاحتكاك. واليوم… وقبل دقائق معدودة فقط، انكسرت كل تلك البنود دفعة واحدة. بإعلان ارتباط زعيم الدهّام هتّان… بابنة زعيم المرجان، ثريا… التي دخلت أرضهم يومًا كـ«حكيمة» باسمٍ كاذب يدعى «ميس». ميس كانت لا تسمع دويّ الحوافر… كانت تسمع فقط دقات قلبها. تفكّر: لقد نجوتُ مرة أخرى من الموت. وكأن القدر يمنحها فرصة جديدة… بل فرصة أخيرة لمعرفة الحقيقة. لمعرفة سبب تجسّد روحها في هذا الجسد، في جسد ثريا تحديدًا. الآن، كل ما تحتاجه هو الذهاب إلى بني الرقاع… هناك فقط ستعرف. لكن فكرة مفزعة تسلّلت إلى عقلها فجأة، كطعنة باردة: هل هي الآن… رهينة زواج جديد؟ هي مجددًا في جسدٍ مطلوب للزواج. في المرة الأولى كان أبلج، هربت… فانتهى الأمر. والآن… تُساق إلى زواجٍ من البربري نفسه! انفجرت بداخلها، ولم تعد تحتمل الصمت. رفعت يدها وضربت كتف هتّان بقوة، وقالت بعصبية مكبوتة: "أنت تمزح بشأن الزواج، أليس كذلك؟" كأنه كان ينتظر هذه الكلمات. أجابها دون أن يلتفت إليها، وهو لا يزال يقود حصانه «برق» بثبات: "هل بدا لكِ أنني أمزح؟" سقطت الكلمات على قلبها كالحجارة. نظرت إليه بصدمة، وقالت بسرعة: "أنت تعلم أنني لم آتِ من أجل الزواج!" شدّ هتّان لجام الحصان فجأة، فتوقّف «برق» بقفزة قصيرة. استدار إليها ببطء. ثبتت عيناه الرماديتان في عينيها مباشرة. ورغم الإرهاق الذي أثقل ملامحهل بسبب الأسر والتوتر، إلا أن في نظرتها بريق جرأةٍ اعتاده… جرأة عرفها فيها منذ لقائهما الأول. قال بهدوءٍ حاد: "أنا لا أعلم عنكِ شيئًا بعد الآن." ثم أضاف بنبرة منخفضة أثقلتها الكلمات: "ربما عليكِ أن تخبريني أولًا: لماذا كذبتِ عليّ؟" صمت لحظة، ثم تابع بصراحة قاسية يخفي تفكيره الحقيقي "أو ربما لا يهمّني السبب… فأنتِ في نظر الجميع حقّ شرفٍ هرب إلى القبيلة المعادية. ابنةُ عدوي." في تلك اللحظة، توقّفت خيول فرسان هتّان خلفهما أيضًا. شعروا أن الحديث بين زعيمهم وتلك المرأة ليس حديثًا عابرًا، فتركوا لهما مساحة صامتة، يراقبون من بعيد بعيون متوجسة. ميس أرخَت كتفيها بتعب، وأطلقت زفرة طويلة. هي أيضًا لم تكن تتوقع أن يطول الأمر إلى هذا الحد، ولا أن يتكرر لقاؤهما قالت بهدوءٍ بدا متعبًا أكثر مما بدا دفاعًا: "لم أُخفِ الأمر للسبب الذي تظنّه." رفع حاجبه قليلًا، في إشارة صامتة يطالبها بالشرح. نظرت إلى الأرض لحظة، ثم رفعت عينيها إليه من جديد وقالت بصوت خافت لكنه ثابت: "لم أكذب لأنني أردتُ خداعك… كذبتُ لأن الحقيقة أخطر مما تتصور، ولو قلتها منذ البداية لما صدّقني أحد… وربما كنتُ ميتة الآن." انقطع الصمت المُثقل بينهما فجأة، كأن الهواء نفسه انشطر تحت وطأة التوتر. كان هتّان يراقبها بصمتٍ صارم، عيناه الرماديتان ثابتتان لا تحتملان خداعًا آخر. أمّا ميس، فرغم الوهن الذي يسكن جسدها، كانت تقف على حافة العناد، متشبثةً بمبدئها كغريقٍ بخشبة نجاة أخيرة. حدّقت في عينيه مباشرةً، وكأنها تضع حدًّا لكل ما هو قادم، وقالت بصوتٍ ثابت يخفي ارتجافًا داخليًّا: "مهما كانت الحقيقة، ومهما كان سبب إنقاذك، فأنا لن أقبل بهذا الزواج يا ايها الزعيم ." رمقها بنظرة باردة، نظرة من يرى أمامه طفلةً عنيدة تتحدث عن أمرٍ تافه: "هذا أمر مؤسف، لكنه ليس خيارك." اشتعل العناد المكبوت في صدرها، وارتفع صوتها رغم تعبها فهاهي من جديد تعيش شيئا لاتريده في زمن يمنعها من ان تاخد قراراتها بنفسها دون مشاكل او معارضات "كيف تقول ذلك؟! أنا لم أطلب منك أن تأتي وتنقذني، ولم أطلب منك أن تخاطر بقبيلتك! لم أنظر إليك كمُنقذ! تحوُّل الأمر إلى زواج بهذه السرعة لم يكن ضمن خطتي!" اشتدت قبضة هتّان على لجام الحصان، وخرج صوته قاسيًا، صوت الزعيم الذي لا يُخالَف: "الأمور تتغير بسرعة في هذا العالم، يا من تسمّين نفسكِ ميس! لم يعد الأمر يتعلق برغباتكِ! لقد تدخلتُ لأنني لا أتخلى عن دين، وهذا الدين كلفني إعلان ارتباط بقوانين قبيلتي! أنا أيضاً لم أرد أن أخوض حرباً بسببكِ، لكن صفقة بن ناصر جعلتكِ الآن جزءاً من اتفاقية سلام جديدة. فلتختاري الآن: إما أن تقبلي بالزواج شكلاً وتظلي وديعة الدهّام، محمية داخل قصري ريثما تنتهين من شأنكِ... أو... أُعيدكِ إلى المرجان الآن. وهناك، يمكنكِ أن تقولي لأبلج أنكِ حرة، وتتركي سيفه يغسل عار الشرف! هل هذا هو العناد الذي تفضلينه؟" صرخت ميس بعصبية، وجسدها يرتجف بين الغضب والهجوم "أنت تهددني! أنت لست أفضل منهم! كلاهما سجن، وكلاهما قسر!" قال بهدوء قاتل، هدوء يقطع الأعصاب: "هذا هو الواقع يا حضرة الحكيمة . أنتِ لا تملكين ترف المبدأ هنا. أنتِ ملكٌ لجسد مطلوب للشرف، والآن أنتِ وديعة مُباعة. اختاري السجن الذي يمنحكِ الحياة والوقت، أو السجن الذي يمنحكِ الموت الفوري." أطلقت زفيرًا حارقًا، وعيناها تشتعلان غضبًا وعجزًا: "أكرهك! أكره كل شيء يتعلق بهذا العالم القذر! عالم يجعل المراة مجرد عبدة يتناقلها الرجال !" مال عليها قليلاً، وعيناه الرماديتان تخترقان ملامحها: "الأمر مُتبادل. فلنجعل هذا الزواج مجرد تمثيلية إذن. لا حب، ولا تقارب، ولا ثقة. فقط... حماية مؤقتة ورد دين . هل يكفيكِ ذلك؟" ساد صمتٌ ثقيل من جديد، لم تقطعه سوى خفقات القلوب وأنفاس الخيل. عندها قالت ميس فجأة، بصوتٍ أكثر هدوءًا لكنه ممتلئ بالمرارة: "لا يحق لك أن تعاملني بهذه الطريقة ايها البربري . لستُ متاعًا يُقرَّر مصيره بالأوامر." لم تنتظر ردّه هذه المرّة؛ تحرّكت فجأة، وانزلقت من على ظهر الحصان بعنادٍ واضح، وهبطت على الأرض بخفّة رغم إرهاقها. التفتت إليه ببرود، وعيناها صارمتان: "لن أركب معك." رمقها هتّان بنظرة ضيق، وقال بحدّة مكبوتة: " لتتوقفي عن هذا العناد الطفولي " وضعت قدمها بثبات على التراب، وكأنها زرعت موقفها فيه: "أنا لا أتصرف كطفلة. قلت إنني لن أركب معك، وهذا قراري الذي سانفذه " كانت على وشك أن تبتعد بخطوة، حين فاجأها ما لم تتوقعه. نزل هتّان فجأة عن صهوة حصانه، بحركةٍ واحدة واثقة. اتسعت عينا ميس دهشة، وارتفع حاجباها المعقودان دون أن تنطق بكلمة. تقدّم خطوة، أمسك بلجام “برق”، ثم أومأ برأسه إشارةً صامتة: كأنما يقول لها: " فلتركبيه انتي " التفت وسار بهدوء، يقود الحصان إلى جانبه، تاركًا لها خيار البقاء عليه أو النزول والسير معه. في تلك اللحظة، تحرّك رجاله بسرعة، وبدأوا يتسارعون نحوه، يسحبون خيولهم ليعرضوا عليه أحدها، فزعيمهم لا يسير على قدميه أبدًا. لكن هتّان أوقفهم بحركةٍ واحدة من يده، حاسمة لا تقبل نقاشًا. ثم شدّ على لجام برق أكثر، وأكمل سيره. أما ميس، فبقيت لحظات تحدّق في ظهره بدهشةٍ متناقضة بين الغضب والارتباك… ثم تنفست بعمق، وشدّت على ردائها، لتركب برق من جديد … دون كلمة. كان فرسان هتّان من خلفهما وجانبهما يرمقون المشهد بقلقٍ وتوجّس. سمعوا معظم الكلمات، و شعروا بثقل الشجار وحدّته. المرأة التي اقتحم زعيمهم أرض المرجان من أجلها، تصرخ في وجهه، وها هو الآن يسير على قدميه من أجلها. هم يرون زعيمهم، صاحب الكبرياء والدم البارد، يتخلى عن صهوة حصانه ويتحمّل عناد امرأة مُدانة. همس أحدهم لرفيقه: "هل فقد الزعيم عقله؟… هذه مجنونة. لكنها ابنة بن ناصر الآن." وكان الصمت الذي تبع تلك الهمسة أثقل من كل ما قيل. _______ استمرت الرحلة في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى وقع الحوافر المنتظم على التراب، وأنين الريح التي تشق طريقها بين الأشجار البعيدة. ومع أول خيوط الظلال الكثيفة، دخلوا الغابة… الغابة التي تمثّل الحدود الفاصلة بين أرض المرجان وأرض الدهّام. حدودٌ لم تكن مجرّد أشجار، بل تاريخًا من الدم، والكمائن، والذكريات التي لا تُنسى. شدّت ميس قبضتها على ردائها دون وعي منها. هذا المكان… تعرفه. هنا بالضبط، منذ زمنٍ غير بعيد، ركضت مسرعة، مرتجفة، هاربة من الموت. هنا سقط هتّان جريحًا بين الأشجار على الحجر، وهنا أنقذته. رفعت عينيها نحوه دون قصد. كان يسير إلى جانب “برق”، على قدميه منذ وقت طويل، يخطو بثبات، ووجهه جامد كالصخر، بلا تعبير. لا تعب، لا انفعال، لا التواء حزن أو غضب… فقط زعيم يسير في أرضٍ يعرف أنها لا ترحم. راقبت ملامحه بصمت، وشعرت بوخزٍ غريب في صدرها. كانت تفكّر أن ترجوه – أو تأمره – أن يركب بدلًا من السير. لكن كبرياءها وقف حائلًا بين الفكرة والكلمة. عضّت على شفتها الجافة بتوتر، ثم قالت أخيرًا بنبرة باردة تخفي اضطرابها: "أيها البربري…" وما إن نادته، حتى التفت فجأة، ورفع سبّابته في وجهها بإشارة حازمة: "اصمتي." توقّفت خيول الفرسان في اللحظة ذاتها، كأن إشارة واحدة من زعيمهم أوقفت القافلة بأكملها. ساد صمت مريب في الغابة. ثم… أصوات خافتة. وقع أقدامٍ خفيف. احتكاك أوراقٍ لا تفسّره الريح وحدها. هناك أحدٌ يقترب… بل ينتظر. ضيّق هتّان عينيه، ونظر حوله ببطء، ثم قال بصوتٍ منخفض كالسهم: "وشيّة." تصلّبت ميس في مكانها. الوشيّة… قطاع الطرق الذين لا وطن لهم، ولا شرف، ولا عهد. التفت هتّان إلى رجاله فجأة وصرخ: "تأهّبوا!" في لحظة واحدة، استُلّت السيوف، وقفز الفرسان من على صهوات خيولهم كأنهم ظلّهم المسلول. تراجعت الخيول بصهيلٍ متوتر. أما ميس، فبقيت فوق ظهر “برق” لا تفهم تمامًا ما يحدث… وعرفت أن الدم على وشك أن يُراق. اقترب هتّان منها بخطوة سريعة، ثم قال بنبرة قاطعة: "ابقي مكانك. لا تتحرّكي أبدًا." لم تسعفها الكلمات لترد. وفجأة… خرجوا. ظهر الوشيّة من بين الأشجار كالأشباح. رجال بوجوهٍ قاسية، وعيونٍ جائعة، وسيوفٍ صدئة لكنها عطشى للدم. اندفعوا دفعة واحدة. اصطدم الفولاذ بالفولاذ، وارتفع صليل السيوف، واختلط بصهيل الخيل وصراخ الرجال. الغابة التي كانت هادئة قبل لحظات… تحوّلت إلى فوضى. تجمّدت ميس في مكانها، عيناها تتسعان بهلع وهي ترى الدم يُراق أمامها للمرة الأولى عن قرب. رجال يسقطون… وصيحات ألم… ونصل يلمع قبل أن ينغرس في جسدٍ حيّ. “برق” كان يتحرّك بعصبية تحتها، يدور، يقفز، يضرب الأرض بحوافره كلما اقترب خطر، كأنه يحميها بغريزته. أما هتّان… فكان يقاتل كأنه وُلد للحرب. سيفه يهبط بلا تردّد، رجل يسقط، ثم آخر، ثم ثالث. حركاته دقيقة، سريعة، قاتلة. كأنه آلة تُجيد القتل بلا صوت. لكن أعداد الوشيّة كانت تتزايد. يخرجون من بين الأشجار تباعًا، كأن الغابة تلدهم. وفجأة… صرخت ميس. شعرت بيدٍ خشنة تمسك قدمها من أسفل، وتشدّها بقسوة. أحد رجال الوشيّة كان قد تسلّل خلف “برق”، وحاول سحبها عن ظهره. صرخت بكل ما بقي لها من صوت وهي تحاول دفعه " دعني ! دعني ايها الحقير !" في لحظة واحدة، ترك هتّان خصمه، واستدار وركض نحوها بلا تردّد، والسيف لا يزال في يده. ضرب ذلك الرجل بضربة واحدة أسقطته أرضًا قبل أن يتمكّن من جرّها. لكن في تلك اللحظة… كان ظهره مكشوفًا. انقضّ عليه أحد الوشيّة من الخلف، ورفع سيفه عاليًا… وفي اللحظة الفاصلة، قفز أحد فرسان هتّان من جانبه، وصدّ الضربة بصوتٍ معدنيّ مدوٍّ، وأنقذ زعيمه من إصابة محققة. تراجع الرجل، وسقط بعد ثانيتين بسهم اخترق صدره. لهثت ميس بقوة، وأنفاسها تتقطّع، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. نظرت إلى هتّان… كان حيًا. يقف أمامها من جديد، والسيف يقطر دمًا. التقت عيناه بعينيها لحظة قصيرة وسط الفوضى. وكأنه يقول لها " اهلا بك في عالم القتل و الحروب " _______ استقرّ الصمت مرة أخرى بعد العاصفة. ميس كانت تجلس على ظهر "برق"، وعيناها تتسعان وهي تتأمل المشهد أمامها. الوشيّة… كانوا قد سقطوا، جثثهم ممددة على الأرض، والدماء لونت الغابة من جديد بلون أحمر قاتم، يختلط مع أوراق الأشجار والظلال الكثيفة. الفرسان يتنفسون بصعوبة، عيونهم متعبة، لكن حركتهم ما زالت حذرة. وفي وسطهم كان هتّان، واقفًا كالصخرة، زيّه متلطخ بالدم، وسيفه الآخر يتلألأ ببقايا الدماء. بعض الفرسان أصيبوا بجروح سطحية، ليست بالغة، لكن كلّ شيء كان ملموسًا على الأرض… على وقع صهيل الخيول، ونفَس الإنسان المرهق. هذا العالم… وهذا الزمن… فعلاً لا يرحم. رفع هتّان يده، مؤذنًا بالعودة إلى الطريق، وأعلن بصوت حازم: "الطريق ينتظرنا… علينا الوصول إلى الدهّام هذه الليلة." عاد الفرسان إلى أماكنهم بسرعة، كلّ واحد يركب حصانه ويشدّ لجامه، والعين على الطريق. ميس، قبل أن يمسك هتّان اللجام ويستأنف السير، التفتت نحوه برفق، وقالت بصوت خافت لكنها متعبة: " فلتركب… أرجوك." رفع حاجبه ببطء، وكأنّه على وشك الاعتراض، لكن نظرتها إليه كان بها رجاء خافت، إضافة إلى التعب الذي بدأ يظهر على جسدها الجميل، الذي لم يعد يحتمل كل هذه الأحداث المتتالية ، وبدت كلماتها الأخيرة تخرج من إرادة منهكة. لم يقل شيئًا، لكن اللجام أصبح بين يديه وعادت لتجلس خلفه بعد ان ركب هو رأسها مائل على ظهره قليلًا، ويدها تمسك بهدوء بردائه مستندة عليه، بينما يستمر "برق" بخطوات متروية للخروج من الغابة. إلى ان شعر هتان برفرفةٍ خفية، رجفة تشقّ طريقها إلى أعماقه عندما ادرك من ضغط راسها عليه من الخلف انها قد وقعت نائمة تذكر نفسه على الفور: هذه المرأة، التي ظنّها مختلفة، التي عرفها على أنها الحكيمة ميس، لم تكن سوى كذبة… هي ثريا، ابنة ناصر بن ال مرجان. حتى لو أنقذها، فهو سيدفع دينه لها: إنقاذها من المرجان و حق الشرف لا غير ...