عزلاء الهتان - الفصل الرابع عشر : خطة خفية - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: عزلاء الهتان
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر : خطة خفية

الفصل الرابع عشر : خطة خفية

كانت ميس غافية نومة غير عميقة في حظيرة الماشية، عندما شعرت فجأة بيد تدفعها بقسوة. كان ذلك بن ناصر الذي أيقظها بنفور شديد. فتحت عينيها، تنظر إلى مكانها الذي قضت فيه ليلتها. تذكرت ما حدث: رجال المرجان أمسكوا بها، وهي الآن على وشك الموت من أجل غسل شرف أبلج. سحبها  بقسوة من ذراعها لتقف. فلقد جاء الوقت. لكنه تفاجأ بها تدفعه بقوة باردة، وتطلب منه أن يتركها: "اتركني، سأسير وحدي." عضّ بن ناصر شفتيه بغيظ، وكاد يتكلم، لكنه سكت في اللحظة الأخيرة، ربما تفادياً لزيادة غضب أبلج. ثم سار إلى الأمام، وهي خلفه، تسير بوقار رغم حالتها الرثة. ألقت ميس نظرة إلى السماء التي بدأت تظهر من خلف الأسوار. كانت السماء متلبدة بالغيوم. وهي تفكر بشرود: هل ستموت فعلاً؟ هل ستنتهي حياتها من جديد بعد أن ظنت أنها قد تملك الفرصة للعودة؟ كان الجميع واقفين خارج منزل بن ناصر؛ ناس القبيلة، ووسطهم كان يقف أبلج في كامل طلته. كان سيفه داخل الغمد، ونظراته حادة ومظلمة كالعادة. في لحظة، استدار بن ناصر إلى ميس التي توقفت، ثم سحبها عنوة قبل أن يرمي بها تحت رجلي أبلج، لتسقط على الأرض الموحلة مرة أخرى. ثم أخبره بصريح العبارة: "إليك شرفك يا أبلج. فلتأخذ حقك." كانت أم ثريا واقفة بلا حول لها ولا قوة، دموعها تجري كالنهر، بينما بناتها كن يتحاضن ويبكين لأجل أختهن التي أهلكت نفسها بهربها إلى الدهّام. رفعت ميس عينيها إلى أبلج، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، خصوصاً عندما استلّ سيفه فأصدر صوتاً قوياً يخترق الفضاء. تزايد عدد الناس ليروا ما سيحصل لابنة آل المرجان، ثريا، وكيف ستكون نهايتها بعد أن خانت الرجل الذي كان من المفروض أن يكون زوجها، والذي انتقل إليه دور غسل شرفه. رفعت ميس رأسها قليلاً ناحية السماء من جديد، ثم أغمضت عينيها. تفكر بسخرية: القدر يتكرر وموتي سيتكرر. "ما كنتُ أظن أنني سأموت مرتين. ظننتُ أنني حين وُلدتُ من جديد، نُحِتَ لي عمرٌ آخر. لكن يبدو أن الموت لا يمل من الأقدار." تقدم أبلج بخطواته الثابتة، فلم يعد يفصل عنها سوى القليل. ثم قال بهمس خافت، لم يسمعه أحد سواها  "لم أكن أتمنى أن تكون نهايتكِ على يدي. فلقد تخيّلت نهاية أخرى معكِ لكنك أردت ذلك ..." ميس لم تفهم قصده، لكن لم يكن هناك وقت للفهم. فوالدة ثريا أطلقت صرخة مدوية وسقطت أرضاً من الهول، عندما رفع أبلج سيفه عالياً، وازدادت صرخات الناس ما بين حماس وخوف. أغمضت ميس عينيها تضغط عليهما بقوة، وهي تفكر بتهكم أخير: "إلى اللقاء أيها العالم التاريخي الكريه." ______ في اللحظة التي كانت فيها ميس تُغمض عينيها مُستسلمةً لمصيرها، والسيف الفضي لأبلج لايزال مُعلّقاً عالياً في الهواء فوق رقبتها، اندفع واحد من رجال المرجان يجري بسرعة جنونية نحو تلك المذبحة. كانت أنفاسه على وشك أن تتوقف من الجري، لكنه كان مصمماً على إيصال تلك الرسالة العاجلة. توقف الرجل فجأة وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة أمام الجميع، وقال بنبرة واضحة عالية اخترقت صرخات الناس وهمساتهم: "الدهّام هنا!" أخذ الجميع يتبادلون النظرات المذعورة. ذلك السيف القاتل توقف عالياً، ولم يهبط على رقبة ميس بعد. وفي لحظة صمت مهيب تلاها، بدأ صوت حوافر الخيل يملأ الأفق، يزداد قوة مع كل ثانية. ظهر هتّان ورجاله في مشهدٍ مهيب ومُفاجئ، كأنهم عاصفة قادمة من العدم: هتّان  كان في المقدمة، يمتطي حصانه الأسود الضخم "برق"، الذي كان يتقدم بضراوة وثقة. كان  يرتدي ثياباً داكنة، وو شاحه يرفرف خلفه بفعل سرعة الريح. عيناه كانتا تُشعلان غضباً هادئاً ومركزاً، مُسلطة مباشرة على المشهد أمام بيت بن ناصر. خلفه، جاءت فرقة من أفضل فرسان الدهّام، يمتطون خيولهم بخطوات منظمة، كأنهم جدار من الحديد. سلاحهم كان جاهزاً، ونظراتهم تحمل وعداً بحرب لا هوادة فيها. لقد اخترقوا عمق المرجان، ضاربين عرض الحائط بالاتفاقيات والقوانين. في تلك اللحظة، فتحت ميس عينيها. نظرت إلى هتّان الذي يقترب ، فوقف كمنقذٍ لها في اللحظة الأخيرة، وكأن الخوف انزاح عن كتفيها وظهر أمل جديد يلمع من عينيها. ابتسمت  ابتسامة باهتة لكنها عميقة ومريحة  و لم تقل شيئاً سوى كلمة واحدة همست بها لنفسها بامتنان ساخر: "البربري..." توقف "برق" أولاً أمام الحشد المُتجمع، ثم توقفت بقية خيول الدهّام خلفه. صاح بن ناصر، يتقدم نحو هتّان بعصبية وغضب: "كيف تجرؤ وتدخل المرجان بهذه الطريقة؟ ما الذي جاء بك هنا؟" ترجّل هتّان من "برق" بهدوء قاتل، وقال:  "أنتم من بدأتم. أنتم من اقتحمتم الدهّام في غيابي. وطبعاً لن تتوقعوا مني أن أصمت مقابل ذلك." صمت بن ناصر للحظات، يزن رده، قبل أن يسأله بحقد دفين وبنبرة تهكمية واضحة:  "ما الذي تريده؟ نحن جئنا لسبب معين وهو إحضار امرأة قبيلتنا. أما أنت، فلأي سبب قد جئت؟" ألقى هتّان بنظرة خاطفة على ميس، التي لم تكن تبعد عنه سوى القليل، لا تزال جالسة على الأرض تراقب المشهد بصمت. بينما تقدم رجال قبيلة المرجان يقفون خلف زعيمهم،و تراجعت النساء خوفاً من نشوب أي شجار. ثم قال هتّان بنبرة واضحة ومسموعة:  "لقد جئتُ لأعادتها إلى الدهّام." عقد بن ناصر حاجبيه وسأله بعدم فهم:  "تُعيد من؟" قال هتّان:  "جئتُ لأُعيد الحكيمة ميس." زفر بن ناصر ساخراً، وهو لا يفهم عن أي امرأة يتحدث.  "لا توجد حكيمة هنا! ومنذ متى توجد حكيمات هنا؟" أخبره هتّان بسعة صبر وهو يشير إلى ميس، أو بالأحرى ثريا ابنة آل المرجان: "إنها هناك." ضحك بن ناصر بسخرية مدوية: "ما الذي تقوله؟ أي حكيمة؟" ثم تجهم وجهه مرة أخرى وهو يقول بنبرة باردة: "انصرف. فهذه التي تتحدث عنها هي واحدة من بناتي، ثريا بنت آل المرجان." صُدم هتّان داخلياً، شعر بالصدمة والحيرة، لكنه لم يظهر على وجهه أي تعبير. بينما سارعت ميس تلوم نفسها للحظات: وهي التي فكرت أنهم لن يلتقوا من جديد، لذلك أخبرته أن اسمها ميس. لكن من كان يتوقع كل هذا؟ فرسان هتّان بدا عليهم التوتر؛ فصدمتهم كانت مزدوجة. هذه المرأة التي جاؤوا لإحضارها ليست مجرد امرأة من المرجان، بل هي ابنة الزعيم نفسه! لكن صدمتهم وتوترهم زاد عندما قال هتّان بوضوح، وكأنه يعي تأثير كلماته ويتجاهله: "سآخذها." في تلك اللحظة، تقدم أبلج بسرعة غاضبة وقسوة، ووجه سيفه في وجه هتّان على نية ضربه. لكن هتّان كان يقظاً، فكان سيفه قد ضرب سيف أبلج قبل أن يصل إليه. صوت ارتطام السيوف المعدني دوى في الفضاء، فعمّ الخوف والتوتر. سحب فرسان هتّان سيوفهم بسرعة في حالة حصل هجوم شامل، بينما تقدمت والدة ثريا وسحبت ميس إليها بذعر. نظرة أبلج كانت مخيفة ومُحمّلة بالوعيد: "غادر قبل أن أقتلك هنا دون أن اهتم بمن تكون ! فهذه المرأة قد أصبحت حقّي في الشرف الآن!" ملامح هتّان كانت متجمدة، وعيناه تنظران في عيني أبلج مباشرة. أنفاسهما كانت حارة وسريعة وهما متقاربان جداً. أخبره هتّان:  "هذه المرأة تدين لي بحياتها، ولن أتركها. فهذا حقي في الدين!" بن ناصر، الذي بدا عليه الخوف من هذا الصراع بين هذين الرجلين (ضخم المرجان وضخم الدهّام)، سأل هتّان عن أي دين يتحدث. وهنا، أخبره هتّان، وهو لا يزال يرفع سيفه في وجه أبلج: "ابنتك، أو الحكيمة ميس بالأصح، أنقذت حياتي! وأنت تعلم جيداً أن رجال الدهّام لا ينسون ديونهم!" استنكار بن ناصر كان عظيماً: ابنته ثريا ساعدت زعيم الدهّام! كيف؟  نظر إليها بعينين ترغبان في قتلها، فقد فضحته مرة أخرى أمام ناس القبيلة؛ ابنته ساعدت عدوه اللدود. ظلت ميس في أحضان أم ثريا التي لم تتركها. بينما جاءت نبرة هتّان الواضحة من جديد وهو يقول: "جئت لأخذها." دفع أبلج سيفه أكثر بغضب، فهتّان يحاول أخذ حق الشرف منه. أعلن بن ناصر أن هذا مستحيل، فلا يمكن إنقاذ حق الشرف. _____ سيوف هتّان وأبلج كانت متقاطعة، صليلها يكاد يُغطي همس القبيلة المرتاعة.  هتّان كان لا يزال يضغط على سيفه بقوة هائلة، مُجبراً سيف أبلج على الارتعاش. نظر إلى الزعيم بن ناصر مباشرة، متجاوزاً أبلج، وكانت عيناه الرماديتان تشعّان غضباً هادئاً كعين الذئب. وبصوت منخفض، لكنه حاسم يخترق التوتر قال "أنا لم آتِ لطلب الإذن يا بن ناصر. لقد جئت لأخذ دَيني، الذي وجب عليّ سداده. والحكيمة ميس هي ذلك الدين. ولن أغادر أرضكم حتى تُرافقني." بن ناصر وجهه يتصبب عرقاً، يرفع يده محاولاً تهدئة رجاله: "أنت تتحدث عن دَين غامض، مقابل حق شرف واضح ومُلزم! هذه ابنتي ، وهربت إلى عدوّنا. إن لم يغسل أبلج هذا العار الآن، فسنغسله جميعاً! ارحل يا هتّان، واترك الموتى للأموات!" أبلج بصوت يخرج كالزئير، محاولاً دفع سيف هتّان:  "كفى كلاماً أيها الزعيم! أنت تضيع وقتنا! حقي يؤخذ الآن، وإلا سآخذه منه هو قبلها!" هتّان تجاهل أبلج، وركز على بن ناصر:  "تتحدث عن الموت، بينما أنت تترك الموت يدخل بيتك! أقسم بشرف الدهّام، إن لم تتنحَ أنت ورجالك في هذه اللحظة، فسأغادر ومعي ميس، ولكن قبلها... سأقطع راس الرجل الذي مسَّها، وسأُريق أول قطرة دم هنا بيدي!" اشتد صليل السيوف، واقتربت فرقة من فرسان الدهّام خطوة إضافية، مستعدة للهجوم. بدأت النساء والأطفال في التراجع بذعر اكثر بن ناصر بنظرة مذعورة في عينيه. هو يتذكر الجثث التي تركها خلفه في الحرب الأخيرة، ويتذكر الكلفة الباهظة للدم:  "أنت... أنت تهددني بالحرب، هنا، في دياري؟ لأجل امرأة من قبيلتي؟ هل تظن أن الامر سيخيفوني ؟ جميعا سنتضرر بالحرب ولست وحدي !" هتّان:  "أهددك بالعدل! ومبدأ رد الجميل في الدهّام أهم من سياسة القبائل يا بن ناصر! اختر الآن، أيها الزعيم: هل تُريد إشعال حرب مدمرة على دَيْنٍ يجب سداده ومبدأ يجب احترامه؟ أم على كرامة يمكنك استردادها لاحقاً؟ الدم الذي سيُراق الآن لن يغسل عاراً، بل سيشعل ناراً!" أبلج صرخ بأقصى قوته، ووجهه يتلوى غضباً وحنقاً، ولم يعد قادراً على ضبط نفسه:  "لقد عثرتُ عليها! لقد أمسكتُ بها! وهذا حقي! لو لم تكن زعيماً ضعيفاً لأمرت بنحره هو ورجاله في ارضك يا بن ناصر!" كان كلام أبلج عن ضعف الزعيم قنبلة داخلية؛ فهذا تحدٍّ علني لسلطة بن ناصر. أدرك بن ناصر أنه الآن أمام ثلاثة خيارات مُرّة: حرب مدمرة، أو تمرد أبلج، أو التنازل المؤقت ساد السكون لحظة إعلان الوديعة، سكونٌ ثقيلٌ كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. تجمّدت الأنفاس في الصدور، وتيبّست الأجساد في أماكنها، ولم يعد يُسمع سوى خفق القلوب المتسارع وصليل السيوف المرتجفة في الأيدي. حيث تقدّم بن ناصر الذي ابتلع ريقه خطوة أخرى، وعيناه لا تفارقان وجه هتان، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ  " ستصبح وديعة… بيننا وبين الدهام ؟ " سكنت الساحة للحظة، كأن الكلمات احتاجت زمنًا لتُفهم. شدّ هتان قبضته على سيفه، واقترب خطوة حتى صار على بُعد ذراع واحدة من بن ناصر، وقال بصوتٍ خرج ممزوجًا بالغضب والازدراء: " أتجعل البشر وديعة؟" ابتسم بن ناصر ابتسامة جانبية متوترة وقال: "بل أجعل الحرب مؤجّلة، والدم محفوظًا… الوديعة ضمانة يا هتان، لا إهانة." ارتفع صوت هتان، واشتدّ صرير أسنانه: "الدهام لا يأخذ النساء رهائن، ولا يربط شرفه بصفقة!" رد بن ناصر : "والمرجان لا يغامر بفنائه في حرب خاسرة… لكل قبيلة طريقتها في الصون، يا هتان." في لمح البصر، انسحب أبلج الذي لم يعجبه ما يحصل من جوار هتان كالسهم المنفلت من القوس، اندفع بجسده الضخم يخترق الصفوف بسرعة مرعبة، متجاوزًا الرجال والنساء، دافعًا من في طريقه بلا رحمة، حتى وصل إلى حيث كانت ميس بين ذراعي والدتها  لم تمنحه الأقدار سوى لحظة واحدة. صرخة واحدة شقّت المكان، ثم صرخات متعددة لحقتها. أمسك أبلج بميس بعنف، جذبها من بين ذراعي أمّها جذبًا وحشيًا، حتى اختل توازنها، وارتطمت بصدره القاسي. في اللحظة ذاتها، ارتفع سيفه اللامع واستقر نصلُه على مقربة شديدة من عنقها، حتى كاد يلامس بشرتها. تصلّبت ميس في مكانها. شهقة لم ثريا انحبست في حلقها، وتحولت إلى صرخة ممزقة وهي تمد يديها نحو ابنتها، لكن بناتها حالوا دون ذلك ترنّحت في مكانها وكأن روحها تُسحب منها دفعًا. "ثريا!" خرج الاسم من أفواه كثيرة، لكنه لم يصل إليها. كانت هذه المرة أيضًا مهددة بالذبح. دمعت عيناها، وارتجف جسدها، لكنها لم تصرخ. كانت تبتلع ريقها بصعوبة، تشعر ببرودة النصل تزحف كالموت على جلدها، وتشعر بأنفاس أبلج الحارّة قريبة من أذنها، وصدره يهتزّ بعنف. في تلك اللحظة، كان هتان قد سبق الجميع. تقدّم خطوة واحدة فقط، جسده مشدود كوتر مشرف على الانفجار، وسيفه في يده يضغط عليه بقوة حتى ابيضّت مفاصله. كان صوته حين تكلّم ثابتًا على نحو مخيف، رغم العاصفة التي تعصف في صدره: "إن لم تتركها حالًا يا أبلج، أقسمُ بدم الدهام أنني سأُشعل حربًا لا تُبقي ولا تذر… سأُحرق المرجان على رؤوسكم ولن أندم." وفي حركة واحدة، ارتفعت سيوف رجاله، وامتدت سهامهم مشدودةً إلى أوتارها، وجوههم متحفّزة، عيونهم حادة كحدّ النصل، ينتظرون إشارة واحدة لينفجر الجحيم. في المقابل، تشنّج رجال المرجان، بعضهم اندفع خطوة إلى الأمام للدفاع ، وآخرون تراجعوا بتردد. كانت الأشباح تتراقص في العيون، وأرواح الحروب القديمة تستيقظ في الذاكرة. أما رُعبة بن ناصر، فكان يقف بعيدًا خطوة عن مركز الجنون. كان وجهه شاحبًا على غير عادته، نظراته قلقة، وحساباته تتطاير في رأسه بعنف. هو يعلم، كما يعلم الجميع، أنّه حتى هذه اللحظة غير مستعد للحرب… وأنها، إن اشتعلت، لن تكون في صالحه. سيخسر لا محالة. ابتلع رُعبة ريقه، ثم تحرّك. تقدّم نحو أبلج ببطء محسوب، رافعًا يديه قليلًا في إشارة تهدئة، صوته خرج هادئًا على غير ما يعتمل في داخله: " اهدأ يا أبلج… لا تجعل الدم يسبق العقل." لكن نظراته لم تكن متوسّلة. كان في عينيه شيء مختلف… شيء خفي، بارد، كأنه يرسم في صمت خطة لا تنطق بها الشفاه. كأنه لا ينوي أبدًا أن يترك الأمر يمر ببساطة. وميس… ميس، التي كانت لا تزال تحت رحمة سيف أبلج، لم تنظر نحو هتان الذي كان يراقبها بعينين تحترقان قلقًا وغضبًا، ولم تلتفت إلى أمّ ثريا التي بدت وكأنها تموت ألف مرة خوفًا عليها. بل رفعت عينيها ببطء… ونظرت إلى عيني بن ناصر. كانت نظرته غريبة. نظرة خبثٍ ممزوجة بالمعرفة، نظرة دهاءٍ يولد في قلب الخوف، نظرة امرأة فهمت أن أمامها لعبة أكبر منها. وفي أعماقها، ومضت فكرة واحدة واضحة كالنصل: هو يخطط لشيء ما. في تلك اللحظة، تقدّم رجال قبيلة المرجان نحو رئيسهم، التفوا حوله في صمت ثقيل، يترقبون قراره. كانت الوجوه شديدة التوتر، والصدور تضيق بأنفاسها. أغمض رُعبة عينيه للحظة. لحظة قصيرة… لكنها كانت لحظة اختيار. ثم فتحهما، وقال بصوت جهوري سقط على المكان كالصاعقة: " سنسلّم ابنة المرجان." مرّت ثانية واحدة قبل أن ينفجر المكان بالهمهمات والذهول. صدمة ضربت قبيلة المرجان جميعًا. امرأة المرجان؟ ابنتهم؟ شرفهم الذي لا يُساوَم؟ يذهب الى ارض العدو ؟  اتسعت العيون، وتجمدت الأجساد، وكأنّ الكلمة نُزعت من أفواههم بالقوة. لكن رُعبه لم يتوقف. التفّ بهدوء، وسار بخطى ثابتة نحو هتان، الذي كان لا يزال قابضًا على سيفه، يراقب أدقّ حركة من أبلج استعدادًا للانقضاض. ليقف أمامه.  كان الفرق بينهما فاضحًا؛ قصر قامته وضآلته أمام جسد هتان الصلب، لكن صوته لم يكن صوت رجل صغير: "سأسمح لك بأخذ ثريا معك." ساد صمت مترقب ثم تابع وهو يميل رأسه قليلًا، وكأن الخيوط بدأت تعود إلى يده: "لكن بشرطٍ واحد… أن تتزوجها." ضجّ المكان دفعة واحدة. صدمة ارتسمت على وجوه الجميع، بما فيهم هتان نفسه، الذي اتسعت عيناه للحظة لم تسعفه فيها الكلمات. " ستأخذها عروسًا للدهام." تجمد هتان. وتابع بن ناصر ، بصوت ازدادت فيه نبرة السيطرة: " لنلغي الاتفاقية القديمة… وتصبح الدهام نسيبة المرجان.  و نضع قواعد جديدة للعلاقة بين القبيلتين." ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيه: "على سبيل المثال… عبور الدهام عند نقل البضائع سيكون بالمجان." كان يتحدث وكأنه يلقي شروط صفقة تجارية، لا مصير امرأة ولا فتيل حرب. وفي الخلف، كانت ميس لا تزال تحت حدّ السيف، لكن عينيها لم تغادرا وجهه الآن فقط… فهمت اللعبة. _______ تلاقت عينا هتّان بعيني ميس. لم تكن نظرة عابرة، بل مواجهة صامتة بين مصيرين. عيناه الرماديتان كانتا ثابتتين، عميقتين، كأنهما تفتشان داخلها عمّا لم يُقَل، بينما كانت هي تنظر إليه وقد أدركت في أعماقها حقيقة ما يخطط له بن ناصر. لم يكن عرض زواج… كان فخًّا سياسيًا. فهمت فجأة: هو لا يريد إنقاذها ولا التضحية بها… هو يريد أن يزرع يده في قلب الدهّام، عبرها. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. وفي داخلها، بعيدًا عن كل ما يحيط بها من سيوف وتهديدات، اتخذت قرارها بهدوء قاتل: هي لن تكون زوجته. إن نجت من هذه اللحظة، فلن تنتظر دقيقة واحدة… ستنفر إلى بني الرقاع، بعيدًا عن الجميع. لكن أحدًا لم يكن يعلم ما يدور في داخلها. كان أبلج لا يزال ممسكًا بها، نصل سيفه يضغط على رقبتها، قريبًا حدّ الألم، وذراعه تشدها إليه كغنيمة لم يستعد أن يفلتها بعد. رجال الدهّام كانوا متحفزين، ووجوه رجال المرجان بين غاضب ومتوجّس، والكل… ينتظر. حتى الهواء بدا وكأنه متجمّد في مكانه. أما بن ناصر، فكان يميل برأسه ببطء يمينًا ويسارًا، كعقارب ساعةٍ ثقيلة، يعدّ الثواني بصبر قاتل، في انتظار ردّ هتّان. سكت هتّان. طال صمته حتى صار أثقل من الضجيج. ملامحه كانت جامدة، لا غضب ظاهر، ولا ارتباك، ولا حسمٌ معلن. فقط عينان ثابتتان، شفتان مطبقتان بإحكام، وصدر يعلو ويهبط ببطء محسوب. في تلك اللحظة، شعرت ميس أن الزمن انكمش إلى نبضة واحدة. ثم تكلّم. " موافق." كلمة واحدة… لكنها سقطت على المكان كحجرٍ أُلقي في بئرٍ عميقة. شعرت ميس فجأة بأن يد أبلج شدّت عليها بعنف أكبر، وأن نصل سيفه ضغط على رقبتها أكثر، حتى اختنق نفسها لحظة. غضبه كان واضحًا في توتر عضلاته وفي ارتجاف حافة السيف. بن ناصر ابتسم. كان ذلك النوع من الابتسام الذي لا يحمل أي دفء، ابتسامة رجل انتصر دون أن يرفع سيفًا. تحرّك بخطوات بطيئة نحو أبلج، ثم قال بصوتٍ هادئ: " دعها." وكأن هذه الكلمة وحدها كانت إعلان ملكية جديدة. "هذه المرأة… لم تعد لك عليها سلطة." تشنّج وجه أبلج، وتقلّصت عضلات فكه، وتكلّم من بين أسنانه، صوته منخفض لكنه يحترق: "تأخذ منّي حقي في الشرف… مقابل طرق وبضائع واتفاقيات سخيفة؟" كان على شفير الانفجار. مدّ بن ناصر يده ببطء، ووضعها فوق السيف الذي كان أبلج يمسكه. لم يسحبه، ولم يدفعه فورًا… فقط ضغط عليه بهدوء، بعزمٍ خفيّ. نظر إليه مباشرة، ونبرته خرجت منخفضة، مشوبة بتحذير لا يُقال صراحة: "دعها يا أبلج." كان في نظرته شيء يقول: لاتقلق ثق بي انا اعرف ماذا افعل  تردّد أبلج. لحظة قصيرة جدًا… لكنها كانت لحظة صراع حقيقي بين شرفٍ ضائع، وخضوعٍ مفروض. العَرق سال على صدغيه، أنفاسه اشتدت، قبضته على السيف ارتجفت. ميس كانت تتابع المشهد كله بصدر يكاد ينفجر من ضيق النفس. تتنفس بصعوبة، عيناها معلّقتان باليدين المتقابلتين على السيف. كلّ ما كانت تفكر فيه: لو فهمت فقط ما يريد بن ناصر فعله بدقة… لو عرفت إلى أي هاوية تُدفع الآن. ضغط بن ناصر على السيف أكثر. هذه المرة… لم يترك لأبلج مجالًا. فانفرجت قبضة أبلج فجأة، وانسحب النصل من قرب رقبتها بحدةٍ مفاجئة. ترنّحت ميس خطوة إلى الأمام وقد فقدت توازنها للحظة. وفي الثانية التالية، دفعها بن ناصر بظهر يده إلى الأمام بقرف واضح، وهو يقول ببرود جارح: "اذهبي… إلى القبيلة التي بعتِنا من أجلها." تعثّرت ميس بخطوتين، لكنها لم تسقط. توقفت… ثم التفتت إليه، ونظرت في عينيه نظرة ساكنة، لا شكر فيها ولا خوف. في تلك اللحظة، شعرت بيد تمسك بذراعها برفق. كان هتّان. شدّها نحوه خطوة صغيرة، وانحنى قليلًا بحيث لا يسمعه أحد، وهمس بصوت منخفض: "كلّ شيء سيكون بخير." كان يظنّ أنها خائفة مما حدث… لكنها، في الحقيقة، كانت خائفة مما سيحدث بعد ذلك. كانت تشعر بنظرات بن ناصر تلاحقها من الخلف، ونظرات أبلج المحمّلة بالحقد، ونظرات رجال المرجان الكارهة، ونظرات بني الدهّام المتحفّظة. هي ليست مجرّد حكيمة أنقذت زعيمًا… هي ابنة المرجان والدهام الآن، وإن لم يُعلَن ذلك بعد. تقدّم بن ناصر خطوة، وابتسامة صفراء تعلو وجهه، وقال موجّهًا كلامه لهتّان: "خذ عروسك." ثم تابع بنبرة تحمل وعدًا مُبطّنًا: " و سنأتي قريبًا… لتوقيع الاتفاقية الجديدة." واتّسعت ابتسامته وهو يضيف بوضوح مقصود: "اتفاقية الشراكة الجديدة." كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها ميس، بيقين لا رجوع عنه: أن ما نجاها من الموت… قد يكون هو نفسه ما سيدخلهم في حربٍ من نوع آخر.