الفصل الثلاثون الفصل الاخير
“البيت الذي ينتظر اسمه”
الصوت
الذي نادى ريم
من أعلى الدرج
كان أعمق من الظلام،
وأقدم من عمر البيت نفسه.
سالم أمسك يدها:
«ريم… لا تروحين لحالك.»
لكن ريم هزّت رأسها،
وبصوت ثابت قالت:
«هذا الشيء…
يبيني أنا.
لأول مرة
أنا اللي لازم أواجهه.»
الطفل الظل
وقف أمامهما،
عينيه الواسعتين
فيهما خوف واضح:
«إذا طلعتي هناك…
ما في ضمان ترجعي.
ظلّ البيت…
مو مثل الصدى ولا المسوخ.
هذا أصل الألم…
أصل كل شيء.»
ريم شدّت يد سالم:
«بس أقدر أرجع…
لأنك معي.»
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة،
هي الوحيدة
اللي بقت حقيقية وسط الفوضى.
…
صعدوا الدرج ببطء.
كل خطوة
كانت تطلع صوتًا
يشبه أنين خشب
مريض من الداخل.
كلما قربوا
من الباب المظلم،
بدأ الجو
يصير أبرد،
حتى صار نفسهم
يطلع بخار
كأنهم وسط شتاء قارس.
وعندما وصلوا…
انفتح الباب
لوحده.
وظهر
أكبر ظل
رأوه في حياتهم.
ظلّ
يرتفع حتى السقف،
له وجه بلا ملامح،
وصوت
يشبه آلاف الأصوات
في وقت واحد.
«ريم…
رجعتي لحظة مفقودة.
لكن ما رجعتي اسمك.»
ريم تضيق عيونها:
«اسمي؟»
«إي…
البيت ما ياخذ خوفك بس،
ياخذ شيء
يربطك فيه للأبد…
اسمك اللي قلتيه
أول مرة بكيتِ فيه.
اسمك الصغير…
اللي ما عدتي تستخدميه.»
ريم شهقت،
كأن شيء
عود يتذكر نفسه.
سالم نظر لها:
«وش يقصد؟»
ريم همست:
«لما كنت طفلة…
كان لي اسم مدلّع
ما أحد يناديني فيه إلا أمي.
لكن بعد اللي صار…
وقفت عن قوله.
نسيت…
أني نسيت.»
ظلّ البيت
مالَ برأسه
كأنه ينتظر:
«قولي اسمك…
واسترجعي روحك.
وإذا قلتيه—
تنتهي لعنتي.
وإذا ما قلتيه—
أخذت كل شيء.»
سالم صرخ:
«ريم! لا تسمعينه!
هذي لعبته!»
لكن الطفل الظل قال:
«لا…
هذي الحقيقة.
البيت اتغذى
سنين طويلة
على صمت ريم.
إذا قالت اسمها…
يموت.»
ريم أغمضت عينيها،
قلبها ينبض
لدرجة الألم.
حاولت تتذكر…
لحظة،
ملمس يد أمها،
ضحكة قديمة،
شريط شعر وردي
مثل اللي شافته
في “اللحظة المفقودة”.
وبين الدموع
ظهرت الكلمة.
الاسم
الذي خبّأته
السنين الطويلة.
فتحت ريم عينيها،
نظرتها قوية:
«اسمي…
ريـــمـــو.»
الظل
صرخ صرخة
كأن البيت كله
ينهار من الداخل.
الجدران
تشققت،
الأبواب
تفتحت،
والهواء صار يدور
حولهم مثل عاصفة.
سالم أمسك ريم
حتى لا تسقط.
الطفل الظل
بدأ يذوب،
لكنه ابتسم:
«أخيرًا…
تحررتِ.»
ظلّ البيت
بدأ يتفكك،
طبقة بعد طبقة،
كأن الاسم
الذي نطقتْه ريم
أعاد لها
كل خوفٍ
سرقه منها.
ظهر خلف الظل
جسد صغير…
الطفلة ريم.
ابتسمت،
ثم اختفت
في ضوء أبيض
هادئ.
وعندما اختفى الضوء—
اختفى الظل.
اختفى الصدى.
اختفت كل الهمسات.
البيت
أصبح
بيتًا.
…
سالم جلس على السلم،
يتنفس بعمق.
ريم جلست بجانبه.
قال لها:
«كنتِ شجاعة…
أكثر مما توقعت.»
ريم ابتسمت تعبًا:
«كنت خائفة…
لكن الخوف ما عاد يتحكم فيّ.»
مد الطفل الظل
—آخر أثر من العالم المظلم—
يده الصغيرة لها.
«وداعًا… يا ريمو.»
ابتسمت له،
ولمسَت يده.
وفي ثانية…
اختفى،
وكأن الظل
عاد إلى مكانه
الذي لا يحتاجه أحد بعد الآن.
…
نزلت ريم وسالم
إلى أسفل السلم،
إلى البيت الحقيقي،
حيث النوافذ
أخيرًا دخلها الضوء
بلا خوف.
فتحت ريم الباب
إلى الخارج،
ونظرت للشمس
كأنها تراها
لأول مرة.
سالم قال بهدوء:
«جاهزة نطلع من البيت؟»
ريم تنفست بعمق:
«جاهزة أبدأ حياة جديدة…
من دون ظلال.»
ومع أول خطوة
خارج العتبة—
انطفات اخر لعنه
في ظلال البيت الاخير
النهايه