فه8: تشغيل الآلة والهروب من الظل.
الباب الثاني: انكسار الروح
جلست على الأرض بجانب الآلة التي وضعتها أمامي. كانت تلك اللحظة ثقيلة، وكأن العالم قد ألقى بثقله كله على صدري. نظرت إلى السماء الغامضة التي تعلو هذا العالم الغريب، دون أن أجد إجابة أو إشارة. شعرت بأنني أقترب من نقطة الانهيار.
حاولت تشغيل الآلة. ضغطت على الزر الذي صنعته بصعوبة، وانتظرت... لكن لم يحدث شيء. لا وميض، لا اهتزاز، لا شيء على الإطلاق. ضربت الآلة بيدي في لحظة يأس، وكأنني أعاتبها على خيانتي.
"لماذا؟" سألت بصوت مبحوح، وكأنني أتحدث إلى العالم نفسه. "لقد فعلت كل شيء كما يجب! لقد حاولت... أليس هذا كافيًا؟"
استلقيت على ظهري، أحدق في تلك الأشجار العملاقة التي بدت وكأنها تراقبني بصمت. شعرت أن الظلام من حولي يزحف ببطء، وكأنه يستمتع بمشاهدتي أتحطم. ذكريات زوجتي وابني عادت لتهاجمني كأنها شبح. تخيلت وجهها وهي تحمل طفلنا الصغير بين يديها، تخيلت صوتها وهي تقول لي: "سنكون بانتظارك."
لكن هل كانوا حقًا ينتظرون؟ هل مضى وقت طويل حتى اعتبروني ميتًا؟ هل نسيني صغيري الذي ربما بدأ للتو ينطق كلماته الأولى؟ فكرة أنني أصبحت ذكرى باهتة في حياتهم كانت أكثر مما أستطيع تحمله.
بدأت دموعي تتساقط دون أن أستطيع منعها. كنت دائمًا الرجل القوي، الشخص الذي يتحمل كل شيء ويواجه كل المصاعب، لكن في تلك اللحظة شعرت وكأنني طفل صغير ضائع في غابة لا مخرج منها.
همست بصوت منخفض، بالكاد أسمعه: "كنت فقط أريد العودة إليهم... فقط أردت أن أكون مع عائلتي."
مر الوقت ببطء، ولا شيء سوى صوت الرياح وأصوات المخلوقات البعيدة يملأ المكان. بدأت ألوم نفسي: هل كنت أحمقًا لأنني ظننت أنني قادر على مواجهة هذا العالم؟ ما الذي جعلني أعتقد أنني أستطيع النجاة؟
لكن وسط كل هذا الظلام، وسط كل الحزن والانكسار، شعرت بشيء صغير يشتعل بداخلي. كان شعورًا ضعيفًا لكنه صادق. كنت أسمع صوت زوجتي في رأسي تقول لي دائمًا: "لا تستسلم أبدًا. حتى في أصعب اللحظات، أنت أقوى مما تعتقد."
نهضت ببطء، ومسحت دموعي بيدي المرتعشتين. نظرت إلى الآلة مرة أخرى. كانت أمامي وكأنها تذكرني بأنني لم أنتهِ بعد. ربما كنت قد فشلت، لكن الفشل لم يكن نهاية الطريق. كان علي أن أستمر، ليس فقط من أجلي، ولكن من أجلهم أيضًا.
رغم أن الإحباط كان يخنقني، إلا أنني شعرت بوميض صغير من الأمل. وقفت مجددًا، وقررت أن أبدأ من جديد. إذا كان هناك شيء واحد أعرفه عن نفسي، فهو أنني لا أستسلم بسهولة.