خلف حائط الحديقة - نهاية يلي صرفت عليها دموعي - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف حائط الحديقة
المؤلف / الكاتب: بتول الجوهري
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: نهاية يلي صرفت عليها دموعي

نهاية يلي صرفت عليها دموعي

كانت الليلة التي عاد فيها كريغ من عالم بوتسفيلت مختلفة عن كل الليالي. لم يكن الليل ليلًا كاملًا… ولا كان صباحًا. شيء ما في السماء كان مكسورًا، كأنها فقدت جزءًا من الضوء عندما عبر بيتي الحائط… ولم يعد. استيقظ كريغ في سرير المستشفى، بخيط دافئ من أشعة المصابيح البيضاء يجرّ نفسه على بشرته الشاحبة. أصدقاؤه التفّوا حوله بوجوه شاحبة، عيونهم تتجنب النظر إلى النافذة. حتى الهواء كان يتحرك كأنه يعتذر. فتح كريغ عينيه بصعوبة… ثم رآه. بيتي. كان واقفًا بجانبه، يبتسم ابتسامة صغيرة… نظيفة… كأن كل شيء انتهى أخيرًا بالنسبة له. لكن ابتسامته كانت شفافة، وكتفاه يمرّ الضوء من خلالها. كريغ مدّ يده نحوه لكنها عبرت من خلاله. اختفى بيتي بلمعة زرقاء هادئة… كأنه لم يكن هناك سوى ذكرى. ارتجف كريغ. التفت بسرعة نحو أصدقائه وقال بصوت متقطع: “وين… بيتي؟ كان هنا قبل لحظة… شفتوه صح؟” هنا حلّ الصمت. صمت أشبه بورقة تتفتت تحت الماء. تبادلوا النظرات… ثم قال أحدهم بصوت خافت: “كريغ… بيتي… غرق في النهر اللي خلف الحائط يوم ضعت… ما قدروا ينقذونه.” الخبر مرّ على أذن كريغ كأنه لم يُقال… كأنه طُعن به دون صوت. لكن قبل أن ينهار… رأى ظلًا صغيرًا عند باب الغرفة. كان ظل كلبن… لكن على هيئة بشريّة، واقفة بصمت، عينان تعرفانه جيدًا. لم يقل شيئًا… فقط نظر إليه بنظرة حزينة، كأنها تريد أن تقول: لقد حاولنا… لكنه اختار أن يحميك أنت. اختفى الظل مثل دخان دافئ، تاركًا وراءه رائحة رطبة من غابات بوتسفيلت. مرت الأيام… وحتى عندما عاد كريغ إلى البيت، كان كل ركن في الغرفة يهمس له باسم بيتي. المقعد الفارغ على الطاولة. الحذاء الذي لم ينتعله أحد. الضحكة التي كانت تسبقهم دائمًا في الممر. كان كريغ يجلس وحده ليالي طويلة، يحدّق في الحائط القديم خلف الحديقة… الحائط الذي تغيّر بعد موت بيتي. لم يعد أخضر. صار رماديًا… كأنه حزن هو الآخر. وفي إحدى الليالي… سمع كريغ صوت الريح تناديه، تحمل معها همسًا بعيدًا… مألوفًا. “كرييغ…” رفع رأسه فجأة. عرف هذا الصوت. ركض نحو الحائط وضغط أذنه عليه. وكان الصوت يأتي من الجانب الآخر، خافتًا… متقطعًا… “لا تخاف… أنا بخير… لا تبكي.” ارتجف كريغ… دموعه هبطت بصمت، وابتلت الحجارة الباردة. فجأة، ظهر ظل صغير على الحائط… ظل يشبه بيتي وهو يلوّح له، يبتسم تلك الابتسامة التي رآها في المستشفى. لكن هذه المرة كانت ابتسامة مغادرة. “أرجع لحياتك… أنا دائمًا معك… بس مو هنا بعد الآن.” وتلاشى الظل شيئًا فشيئًا… حتى اختفى تمامًا. في اليوم التالي، وجدوا كريغ جالسًا في الحديقة، ممسكًا بدفتر صغير. كتب في صفحته الأخيرة: > "خلف هذا الحائط… تركتُ نصف قلبي هناك. ليس الموت ما يؤلم… بل الحكاية التي لم تُكمل، والضحكة التي لا تزال تبحث عن صاحبها. سأعيش… بس بيتي سيظل يقف خلف الحائط، يلوّح لي… كلما مرّت الريح." أغلق الدفتر، وضعه على العشب، ثم وقف بهدوء. لم يبكِ هذه المرة. كان يعرف أن هناك عالمًا خلف الحائط لن يراه مجددًا… لكنه سيظل يسمع صدى الخطوات الصغيرة التي تركها بيتي خلفه. صدى لا ينتهي… حتى وإن انتهت الرواية.