الفصل 4 "جذور الوحش وخيانة كلبن"
لم يكن صوت خطوات الوحش يشبه أي شيء سمعه الأخوان في حياتهما.
كانت ثقيلة… رطبة… تترافق مع صوت احتكاك جذورٍ تضرب الأرض، كأن شجرة عملاقة تتعلم المشي لأول مرة.
اختبأ بيتي وكريغ خلف جذع ضخم، بينما كيلبن ترفرف في الأعلى بصمت مرعوب.
لكن الظلام لم يحمهم.
فجأة…
امتد شيء طويل من بين الضباب—جذر ملتف، سميك، ينبض كقلب—وانطلق بسرعة مذهلة حول كتف بيتي.
صرخ بيتي:
"كريييييغ!"
الجذر لفّ جسده كاملًا، رفعه عن الأرض، وجرّه للأسفل نحو بقعةٍ من التربة السوداء، التي بدأت تتحرك… كأنها فم واسع من طين.
ركض كريغ دون تفكير، صارخًا:
"اتركه! بيتي!"
لكن جذورًا أخرى قفزت أمامه، كالثعابين، تمنعه من الاقتراب.
ظهر الوحش أخيرًا من بين الضباب…
جذع ضخم جداً، يشبه شجرة بلا أوراق، له وجه محفور وسط الخشب بملامح غائرة… وفم عريض يتحرك بصرير خشبي.
كان يمشي على أربعة جذوع ملتوية، وكل خطوة منه تُسقط قطعًا من اللحاء.
نظر إلى بيتي بعينين من نورٍ أخضر خافت…
وهمس بصوت كخشخشة الريح وسط شجرة ميتة:
"نور… نور بشري…"
ثم بدأ يبني فوقه الأغصان.
نعم… الأغصان خرجت من جسد الوحش نفسه، طويلة وطريّة، تلتف حول بيتي وتثبتّه على جذع خشبي.
شجرة صغيرة… تنمو فوق طفل بشر.
كان بيتي يبكي وهو يشعر بالأغصان تشدّ أطرافه:
"كريغ… ساعدني…!"
كريغ ضرب الجذور بيديه العاريتين، بدون أي سلاح، فقط بعزم أخ مخلص.
صرخ بوحشية:
"اتركه! هذا أخوي!"
لكن الوحش دفعه بعيدًا بضربة من فرعه الضخم، فطار مترين واصطدم بجذع آخر.
كيلبن التي كانت ترتجف طوال الوقت…
صرخت فجأة:
"خسرت… ما عندي خيار…"
طارت بسرعة نحو الوحش، انقضت على عينه الخضراء، وضربتها بمخلبها الصغير.
لم تجرحه… لكنها شتّتته.
خلال هذا، استطاع كريغ أن ينهض، يمسك بحجر كبير من الأرض، ويضرب الأغصان التي تثبت بيتي بكل قوّة.
كسرت واحدة…
ثم أخرى…
حتى فقدت الشجرة قبضتها.
صرخ الوحش بصوت مليء بالغضب الخشبي:
"نـــور… ضائع…!"
ثم غاص بكل جذوره في الأرض، كأنه يهرب، وتلاشى الضوء الأخضر من عينيه.
تهالك كريغ على الأرض، يلهث، بينما بيتي يسقط في حضنه.
كيلبن هبطت فوق غصن قريب، ترتجف.
قال بيتي بصوت مبحوح:
"شكراً… كيلبن."
لكن العصفورة لم تكن مبتسمة.
كانت تنظر في الأرض، وكأنها تخفي شيئًا.
رفرفت قليلًا وقالت:
"ما عاد المكان آمن… لازم نروح عند… عند مورينا."
رفع كريغ حاجبه:
"مورينا… من؟"
ابتلعت ريقها:
"الساحرة… الساحرة اللي تعرف كيف توقف هذا الوحش… وكيف ترجع أي شيء لطبيعته."
وهكذا…
قادَتهم عبر الغابة حتى وصلوا لكوخ صغير وسط دائرة من الأشجار السوداء.
الكوخ كان مُصنعًا من الخشب الملتوي، وبابه على شكل وجه مبتسم ابتسامة واسعة جدًا.
فتحت الباب امرأة طويلة، ذات شعر أبيض يتدلّى كأنه دخان، وعينين بلون البنفسج.
ابتسمت ابتسامة دافئة:
"أهلاً يا صغاري… كنت أنتظركم."
دخلوا… والهواء داخل الكوخ تفوح منه رائحة أعشاب غريبة.
التفتت الساحرة إلى كيلبن:
"أحضرتِهم… ممتاز."
هنا… تجمّد بيتي وكريغ.
قال كريغ بحدة:
"تنتظرنا… ليش؟"
ابتسمت مورينا ابتسامة مرعبة رغم جمالها:
— "أنتم بشر… وهذا نادر جداً هنا. وهذه العصفورة الصغيرة… تحتاج بشريين لأجل الصفقة."
نظر بيتي إلى كيلبن:
"صفقة؟ أي صفقة؟!"
كيلبن نزل رأسها، صوتها يرتجف:
— "ساحرة مورينا… وعدتني… لو جبت لها طفلين بشريين… تعطيني جرعة… ترجع أهلي لبشر مثل ما كانوا…"
اتسعت عينا كريغ:
"إنتِ… كنتِ تستخدّمينا؟"
أجهشت كيلبن بالبكاء، جناحاها يرتعشان:
"كنت مضطرة! أهلي… كلهم تحوّلوا لطائر مثل… وأنا الوحيدة اللي بقيت! ما كنت أبي أضركم… بس… بس مورينا قوية وأنا…"
قاطعتها الساحرة بصوت بارد:
"يكفي بكاء. أعطوني أيديكم… لنبدأ الطقوس."
بيتي تراجع خطوة.
كريغ وقف أمامه، كأنه يحميه.
قالت الساحرة بصوت يقطّب الريح:
"تسليمكم… هو الثمن."
وهنا… بدأ الضوء البنفسجي ينتشر حول الغرفة، وارتفعت الأعشاب في الهواء، وبدأت الطقوس…
لكن شيئًا لم تمشِ كما خططت مورينا.
لأن الوحش…
ذلك الذي اختفى في الأرض…
بدأ يقترب من الكوخ، واهتزت الأرض تحت أقدامهم.
وصوت خشن، مشروخ، خرج من بين الجذور:
"نــور… بشري… مرة أخرى…"