الفصل الخامس والعشرين
“الوجه الذي يشبه سالم… ولا يشبهه”**
كان سالم يقف خلف الباب الأبيض،
لكن شكله—
كان نسخة غير مكتملة.
…
ملامحه موجودة،
لكن كأن أحدًا أعاد رسمها
بيد ترتجف…
العينان أعمق من الطبيعي،
والابتسامة نحيلة جدًا،
كأنها تحاول أن تكون بشرية
ولا تعرف كيف.
…
وقفت ريم في مكانها،
قدماها متجمدتان.
نصف قلبها قفز نحوه،
والنصف الآخر
صرخ فيها ألا تقترب.
…
قال سالم بصوت هادئ،
هادئ أكثر مما يجب:
«ريم… أخيرًا جيتي.»
…
كلماته
لم تهزّ الهواء
كما يفعل صوت البشر،
بل انزلقت
كأنها تخرج من الماء.
…
«وين كنت…؟»
خرج صوت ريم ضعيفًا،
مكسورًا،
رغم أنها حاولت
أن تكون شجاعة.
…
اقترب سالم خطوة.
خطوة واحدة فقط،
لكنها جعلت الأرض
تتجعد أسفل قدميه
كأن البيت نفسه
يتفادى لمسه.
…
ابتسم.
ابتسامة باردة…
مجرد رسم للشفاه
بدون روح.
وقال:
«أنا كنت هنا…
وأنتي اللي تأخرتي.»
…
ارتجفت ريم.
شيء في صوته
يشبه سالم،
لكن ليس هو.
ليس كاملًا.
ليس حيًا بالكامل…
ولا ميتًا بالكامل.
…
الطفل الظل
ظهر خلفها،
ظله فقط،
وقال بصوت متوتر:
«مو هو…
مو هو…
مو هو…»
كأنه يحاول
إقناعها قبل فوات الأوان.
…
سالم رفع رأسه،
نظره انزلق ببطء
نحو ظل الطفل.
تلك اللحظة—
اختفى الهدوء من وجهه.
تحوّل…
تبدّل…
الظلام بدأ يتسرب
من أطراف عينيه.
…
قال سالم بحدة:
«أبعدي هالشي عني.»
…
تراجعت ريم خطوة،
لم تتوقع النبرة،
ولا النظرة
التي تحمل شيئًا
أكثر من غضب…
تحمل خوفًا.
خوف سالم
من الطفل الظل.
…
الطفل اقترب أكثر
من رجل الظلال أمامه،
وقال بصوت
صار أعمق مما يجب لطفل:
«أنت…
مو سالم.
أنت… الباقي منه.»
…
تقلص وجه سالم،
ملامحه انطوت
كأنها تُسحب للداخل،
وقال بصوت مرتجف:
«اسك—تي.»
لكن الكلمة
خرجت مشوهة
كأن لغته تتقطع.
…
ريم رفعت يدها
نحو “سالم”،
وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
«وين سالم الحقيقي…؟
قل لي…»
…
رفع الرجل رأسه ببطء شديد،
ثم قال شيئًا
غيّر كل شيء:
«سالم…
وراي.»
وأشار إلى ظلامٍ
يتحرك خلف الغرفة،
ظلام له شكل
له كتف…
وجسد…
يتنفس.
…
شعرت ريم
كأن الأرض تهتزّ.
إذا كان سالم الحقيقي
خلف هذا الظلام…
فمن هذا الذي أمامها؟
…
الطفل الظل
تحرك بسرعة،
وقف أمام ريم
بذلك الظل الصغير
متحديًا الرجل الظلالي،
وقال بصوت حاد:
«هو… الصدى.
مو الأصل.»
…
ارتعشت ريم.
الصدى؟
نسخة ناقصة؟
ظلّ يكرر وجود شخص…
لكن بدون روحه؟
بدون إنسانيته؟
…
صرخ “سالم” فجأة،
صرخة تشبه
تحطم زجاج
لا صوت بشري،
ثم اندفع نحوهم
بقوة مرعبة.
…
ريم صرخت،
والطفل الظل
مد ذراعيه
كأنه يحاول إيقافه…
وعندما اصطدم به—
تفجّر الظل
كالدخان،
قبل أن يعود ويتشكل
خلف ريم.
…
صدى سالم
وقف أمامها،
وجهه مائل،
وصوته ينزف:
«لو فتحتي الباب اللي وراي…
ما ترجعي نفسها.»
…
ثم اختفى الضوء.
واختفى الباب الأبيض.
ولم يبقَ أمام ريم
إلا ظلام واحد
ينتظرها أن تفتحه.
…
يتبع…