الفصل الثاني والعشرين
“وراء الجدار الذي يتنفس”**
وقفت ريم أمام الجدار الذي يتحرك…
يتنفس…
وكأن الحياة تحاول الخروج منه بالقوة.
…
كانت تسمع أنينًا خافتًا،
قريبًا لدرجة أن الأرض تحت قدميها
بدت وكأنها تهتزّ معه.
…
مدّت يدها نحو الجدار،
لكنها ترددت قبل أن تلمسه…
ذلك الشيء خلف الحائط
كان أكبر من قدرتها على الفهم.
…
وفجأة—
صدر صوت اصطدام من الداخل.
صوت قوي…
كأن شيئًا ضخمًا ضرب الجدار من الداخل
محاولًا اختراقه.
…
تراجعت ريم خطوة،
وصدرها يرتفع وينخفض
بصعوبة مرعبة.
…
همسٌ قريب…
قريب جدًا،
لامس أذنها مباشرة:
«ريم… افتحي.»
…
كانت نبرة سالم.
لكنها لم تكن نظيفة،
كانت مخنوقة…
كأن صوته خرج من فمٍ ليس فمه.
…
عضَّت ريم شفتها،
وتقدمت خطوة رغم الرعب.
صوت سالم كان الشيء الوحيد
الذي يستطيع دفعها للأمام الآن.
…
لكن قبل أن تلمس الجدار—
ظهر ظل الطفل مجددًا
على الأرض أمامها.
لم يكن جسده ظاهرًا،
فقط ظلّه.
…
رفع الظل يده الصغيرة،
وحرك إصبعه يمينًا ويسارًا…
إشارة “لا”.
إشارة تمنع.
تحذير.
…
تجمدت ريم.
«ليش…؟ سالم هناك!»
…
ردّ الظل بصوت
لم يعد طفوليًا كما كان،
بل صار مكسورًا،
ثقيلًا،
كأنه يحمل أعمارًا لا تُعد:
«اللي تسمعينه… مو سالم.»
…
فتح الجدار فجأة
تشقّق طويل،
من أعلى لأسفل،
كأن البيت نفسه يفتح فمًا كبيرًا
ليبتلعها.
…
ومن داخل الشق…
خرجت يد.
يد بشرية،
لكن أصابعها طويلة جدًا،
نحيلة،
وكل مفصل فيها يتحرك
بزاوية مستحيلة.
…
سقطت ريم على ركبتيها
من هول المنظر.
كان الظلام داخل الجدار
يبتلع اليد ثم يعيد إخراجها
وكأن شيئًا يحاول استخدام شكل الإنسان
ولا ينجح تمامًا.
…
ظهر الصوت مجددًا:
«ريم… تعالـي…
أنا… بخير.»
…
ارتجفت.
لم يعد الصوت مخنوقًا فقط،
بل صار مكسورًا،
مكسورًا جدًا…
كأنه مسروق.
…
الطفل الظل اقترب منها
للمرة الأولى.
لمست يده كتفها—
كانت باردة لدرجة تشق العظم.
…
قال بصوت منخفض:
«إذا قربت له…
راح ياخذك مكانه.»
…
رفعت ريم عينيها نحو الجدار،
والشق بدأ يتوسع،
واليد امتدت أكثر…
ثم تبعتها يد أخرى.
…
كانت تنزل ببطء،
تبحث،
تفتّش،
كأنها تتحسس الهواء
بحثًا عنها.
…
صرخت ريم:
«سالم! إذا كنت فعلاً أنت…
قول شي أعرفه!»
…
لحظة صمت…
ثم جاء الرد.
ردّ لم يشبه سالم
ولا أي رجل.
كان صوتًا مزدوجًا…
وكأن اثنين يتحدثان من نفس الحنجرة:
«أنتِ… لك… أنا…»
كلمات بلا معنى.
مشوّهة.
جائعة.
…
فهمت ريم.
هذا ليس سالم.
ولم يكن سالم يومًا
خلف هذا الجدار.
…
صرخت وهي تتراجع للخلف:
«مو سالم!!»
…
وفي اللحظة التي حاولت فيها الهرب—
قُطع الضوء فجأة.
غرق الممر العلوي بالكامل في الظلام.
ظلام كامل…
حيّ…
يشبه الجدار نفسه.
…
آخر شيء سمعته ريم
كان صوت الطفل الظل
وهو يصرخ بصوت
ليس طفلًا أبدًا:
«اركضي!!»
…
ثم…
شيء خرج من الجدار.
خارجٌ أكثر من الإنسان…
وأقل من الظل.
…
والبيت…
بدأ يتنفس أسرع.
…
يتبع…