الفصل العشرين
“الفقد الذي لا صوت له”**
لم تستوعب ريم ما حدث.
لم تستطع حتى الصراخ.
كأن صوتها هو الآخر اختُطف مع سالم.
كانت السماء فوقها صامتة بشكل غير طبيعي،
والبيت خلفها يتنفس ببطء…
وكأنه راضٍ عمّا أخذ.
جلست على الأرض، يداها ترتعشان، والدفتر على التراب مفتوحًا على صفحة لم تفتحها من قبل.
صفحة بدت كأن أحدًا كتبها قبل ثوانٍ فقط.
اقتربت منه، ورفعت الورقة بيد متجمدة.
كانت الجملة الأولى قصيرة…
لكنها كسرت شيئًا في داخلها:
“لا تبحثي عنه.”
ارتجف قلبها:
أهذا تحذير…
أم تهديد…
أم اعتراف؟
قلبت الصفحة ببطء.
“الذي يأخذه البيت…
لا يعود كما كان.”
شهقت ريم، وكأن الهواء انحشر في صدرها.
“سالم… وينك؟”
همستها خرجت مكسورة، كأنها تتسرب من طفل يبكي داخلها.
لكن الليل لم يجب.
والبيت ظلّ يراقبها.
..
نهضت بصعوبة، وتنظر حولها بعينين تبحثان حتى لو لم يكن هناك أمل.
لم ترَ ظلًا يتحرك، ولا جسدًا، ولا أثرًا يدل على أن سالم كان هنا قبل لحظة.
وكأنه لم يكن موجودًا…
وكأن الأرض ابتلعته.
لكن حين التفتت نحو الشباك العلوي…
رأت شيئًا.
كانت هناك يد.
يد سوداء، طويلة، تطرق على الزجاج بخفة…
ثم تختفي.
تجمدت قدماها.
ذلك الطارق…
ليس بشرًا.
لكن الموجع أن طرقاته لم تكن تهديدًا.
كانت كأنها نداء.
نداء يريدها أن تدخل.
..
جمعت شجاعتها—
أو ربما لم يكن أمامها خيار—
واتجهت نحو باب البيت.
وهي تقترب، سمعت صوتًا خافتًا…
كأن شخصًا يتنفس على بعد سنتيمترات منها.
توقفت.
وضعت يدها على الباب الخشبي.
لمسته كان باردًا…
باردًا مثل يد سالم يوم عاد من اختفائه الأول.
همست ريم لنفسها:
"إذا كان سالم داخل…
لازم أعرف.”
دفعت الباب.
انفتح بسهولة…
سهولة غير مريحة، كأن البيت كان ينتظرها.
دخلت.
الظلام في الداخل لم يكن عاديًا.
كان تتحرك فيه ظلال صغيرة، وظلال تتكوّن ثم تختفي.
الهواء كان يحمل رائحة قديمة، تشبه الغرف التي أغلقت سنوات طويلة.
أغلقت الباب خلفها تلقائيًا…
أو ربما انغلق وحده.
ثم سمعت الصوت.
صوت قادم من الطابق العلوي.
صوت خطوات…
خطوات ثقيلة، بطيئة، ليست خطوات سالم…
وليست خطوات طفل…
ولا حتى خطوات بشر.
خطوات شيء يعرف أنها دخلت.
ويعرف أنها تبحث.
رفعت رأسها ببطء،
ورأت…
في أعلى السلم…
هيئة رجل.
هيئة غير واضحة،
لكن شيئًا فيها جعل دمها يتجمد:
كان يرتدي نفس القميص الذي كان سالم يرتديه قبل دقائق.
وقفت ريم مكانها…
وقلبها كاد يخرج من صدرها.
الهيئة انحنت قليلًا…
وكأنها تنظر إليها.
ثم قال الصوت…
صوت سالم،
لكن ليس بصوته.
صوت يشبه شخصًا يقلّد إنسانًا، بدون روح:
“ريـــم…
تعالــي.”
خرجت الكلمة كأنها سُحبت من عشر حناجر ميتة.
سالم…
أم ليس سالم؟
كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط:
إذا صعدت الآن…
لن تكون نفس الشخص.
وإذا لم تصعد…
ستندم للأبد.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
والبيت خلفها أغلق كل طريق للعودة.
..
يتبع…