الفصل التاسع عشر
“الشيء الذي يقف بينهما”**
تراجعت ريم خطوة إلى الخلف، ليس لأنها رأت شيئًا…
بل لأنها شعرت به.
الهواء تغير.
صار أكثر كثافة، أكثر برودة، وكأن شخصًا ثالثًا وقف فجأة بينهما…
شخص لا جسد له، لكنه موجود بقوة.
..
سالم رفع يده فورًا كأنه يحاول إبعاد شيء غير مرئي:
"لا تقربين… ريم، اسمعيني، لا تتحركين!"
كانت نبرته مذعورة، مليئة برجاء مخنوق.
وهذا وحده… كان كافيًا ليجعل ركبتيها ترتجفان.
..
“سالم… وش اللي واقف قدامنا؟”
همستها كانت بالكاد تُسمع، لكنها خرجت مرتعشة، من قلب يعرف أن الحقيقة أكبر من أي شجاعة.
أجاب سالم بصوت مكسور:
“مو واقف… هو هنا من زمان.
الفرق إنه… الحين بس قرر يبان.”
..
البرودة اشتدت.
شعر ريم وقف، وتجمّد نفس سالم في صدره، وكأن الهواء نفسه أصبح ملكًا لشيء آخر.
ثم—
مرّت ريح خفيفة بينهما.
ريح بلا اتجاه…
بلا صوت…
لكنها حملت معها شيئًا يشبه الهمس.
همسٌ غريب، مخنوق، وكأنه خرج من فم شخص ميت منذ سنوات.
“ريــــم…”
حرف اسمها جاء ممتدًا، ثقيلًا، كأنه يسحب قلبها معه.
امتدّ ظل صغير عند قدميهما—ظل لا ينتمي لأحدهما—وارتفع ببطء على الأرض، على الجدار، ثم على الأشجار…
ظل يتمدد مثل دخان أسود حيّ.
صرخت ريم:
“سالم! وش هذا؟! ليش يعرف اسمي؟!”
أمسك سالم يدها بقوة:
“لأنك اخترتي ترجعين للبيت…
والبيت اختارك قبل كلهم.”
..
زادت البرودة حتى شعرت ريم بأن أطرافها تفقد الإحساس.
والأرض تحتها بدأت تهتزّ بخفوت…
اهتزاز يشبه نبض قلب ضخم تحت التراب.
سالم شدّ على يدها أكثر:
“اسمعيني زين…
فيه شيء لازم تعرفينه من بدري…
لكنّي خفت.
خفت إنك تكرهيني.
خفت إن البيت يضرّك…”
نظرت إليه بعينين مذعورتين:
“سالم… قول.”
ابتلع ريقه…
وتجمّد صوته قبل أن يخرج، كأن شيئًا يمنعه، كأن الهواء يختنق حول حنجرته.
ثم قال أخيرًا:
“أول واحد اختفى…
ما كان من أهل البيت.”
وقفت ريم عاجزة:
“كيف يعني؟”
اقترب سالم خطوة، ووجهه أصبح شاحبًا أكثر:
“أول واحد…
كان طفل…
والطفل هذا…”
لم يكمل.
لأن الظل خلفه تشكّل فجأة—
ليس ظلاً صغيرًا هذه المرة،
بل هيئة كاملة.
هيئة رجل طويل…
وجهه غير واضح، لكن جسده كان ثابتًا، واقفًا كما لو كان جزءًا من الليل.
وهمس من خلف سالم:
“لا تكمّل.”
سالم ارتعش، كأنه تلقى ضربة باردة في عموده الفقري.
نظرت ريم والدم يتجمد في عروقها:
"سالم… في أحد واقف… وراك…"
لكن سالم لم يلتفت.
كان يعرف.
كان يشعر به.
قال بصوت مرتجف:
“كنت أعرف إنه ما بيتركني…
بس ما توقعت يلحقني لك.”
فجأة—
ارتفع الظل نحو ريم بسرعة خاطفة، كأنه ينقضّ…
سالم دفعها بعيدًا بكل قوته.
سقطت على الأرض، والدفتر انزلق من يدها.
والظل…
وقف فوق سالم مباشرة.
ومرة واحدة…
انطفأت كل الأنوار حولهم.
حتى السماء بدت بلا نجوم.
ثم جاء صوت…
ليس من الأرض، ولا من البيت…
بل من داخل الظلام نفسه:
“الحقيقة بدأت…
ولا أحد يرجع للخلف.”
وفي لحظة—
اختفى سالم.
اختفى كما لو أن الظل ابتلعه بالكامل.
وتركت ريم وحدها…
في فناء بيت يتنفس،
بين جدران تعرف اسمها،
وفي ليلة لم تبدأ نهايتها بعد.
..
يتبع…