الفصل الثامن عشر
“حين تنكشف أول الخيوط”**
نزلت ريم درجات السلم بخطوات مترددة، تحمل الدفتر كأنه قنبلة قد تنفجر في أي لحظة.
كل خطوة كانت تصدر صرخة خفيفة، ليست من الخشب…
بل من شيء أعمق.
كأن البيت يراقب كل حركة، يستنشق خوفها، ويحتفظ به.
..
في الطابق السفلي، كان الظلام أخف…
لكن الصمت أثقل.
لا صوت للرياح، ولا للغرف، حتى عقارب الساعة كانت متوقفة، وكأن الزمن نفسه رفض السير داخل هذا المكان.
وقفت أمام الباب الخارجي.
مدّت يدها لتفتحه…
فتفاجأت بأنه مفتوح بالفعل.
لم تفتحه هي.
ولم تفتحه الريح.
كان مفتوحًا…
وكأن شخصًا خرج منه للتو.
شخص ترك خلفه أثرًا خفيًا…
برودة تشبه من يمرّ مسرعًا، ويريد ألا يشعر به أحد.
..
خرجت ريم إلى الفناء، الهواء البارد لامس وجهها، لكن ارتعاشها لم يكن من البرد.
كان من الخوف…
ومن الأسئلة التي بدأت تتجمع في رأسها كعاصفة.
سالم…
كم جزءًا من حياته لم تكن تعرفه؟
ولماذا كان اسمه في الدفتر؟
فتحت الصفحة التالية…
ووقفت حين رأت خربشات حادة، كُتبت بسرعة، وكأن الكاتب كان يهرب من شيء أثناء الكتابة.
قرأت:
“إن رأيتِ الطفل…
فأنتِ أقرب ممّا تظنين.”
سرت قشعريرة في عمودها الفقري.
الطفل الذي رأته قبل قليل…
كان جزءًا من الحقيقة، لا من خيالها.
أكملت:
“سالم كان يعرف.
لكنّه لم يكن يستطيع الكلام…
لأن الذي يعيش في الجدران يسمع كل شيء.”
رفعت ريم عينيها عن الدفتر، ونظرت إلى البيت ببطء.
الجدران بدت الآن مختلفة…
كأنها ليست جدرانًا، بل جلدًا لشيء ضخم يتنفس بصمت.
..
قطع شرودها صوت سيارة توقفت عند البوابة.
قلبها قفز.
تعرفت على الصوت فورًا.
سيارة سالم.
لم تكن تتوقع أن يعود الآن.
اقتربت الأضواء من الفناء، وانطفأ محرك السيارة.
فتح الباب بهدوء، وخرج سالم…
وجهه كان شاحبًا، نظراته مضطربة كأنه لم ينم منذ ليالٍ طويلة.
لكن ما أرعب ريم ليس شكله…
بل نظرة الذهول على وجهه حين رآها.
كأنه لم يكن يتوقع أن يجدها هنا.
كأنه خائف أن تكون قد اكتشفت شيئًا.
تقدّم خطوة نحوها.
لم يتكلم.
كان صمته أكثر ازعاجًا من أي صراخ.
رفعت ريم الدفتر أمامه ببطء.
“سالم…
أنت كنت هنا.
قبل كل شيء.
قبل اختفاءاتهم.
قبل الظل.”
ارتجف فكّه.
ازدادت نظراته توترًا، وامتلأت عيونه بشيء يشبه التحذير…
أو الرجاء.
قال بصوت منخفض، متقطع:
“ريم… اسمعيني…
مو كل شيء تقدرين تفهمينه الآن.”
اقترب خطوة أخرى.
كانت يداه ترتجفان بوضوح.
“فيه أشياء…
حتى أنا ما قدرت أهرب منها.”
رفعت حاجبيها بخوف:
“قلت لي إنك اختفيت بسبب ظروف…
مو بسبب البيت… صح؟”
انخفضت عيناه إلى الأرض.
لم يجب.
أحست ريم أن قلبها يغرق في بئر.
اقتربت أكثر منه، ورفعت الرسالة الأولى أمام وجهه:
“من اللي حاولت تنساه يا سالم؟
وليه كتبّت كل هذا؟
وش كنت تخاف منه؟”
رفع رأسه ببطء، وبصوت خافت جدًا، يشبه بكاء مكتوم:
“كنت أخاف…
إن الشيء اللي في البيت يتبعني حتى وأنا بعيد.
وأخاف…
أنه يعرف عنك.”
شهقت ريم:
“يعرف عنّي؟
ليش؟”
اقترب سالم أكثر… حتى أصبح على بعد خطوة واحدة منها.
عينيه كان فيهما ذعر حقيقي، ذعر رجل عاش شيئًا لا يمكن شرحه.
قال بصوت متكسر:
“لأنك…
كنتِ هدفه من البداية.”
قبل أن تستوعب الجملة، انطفأت جميع أضواء السيارة فجأة.
والبيت خلفها…
أصدر صوتًا يشبه السحب العميق.
والهواء بينهما أصبح باردًا بشكل قاطع…
كأن أحدًا يقف بينهما.
أحد…
لم يره أحدهما.
لكن وجوده كان واضحًا كالسكين.
..
يتبع…