الفصل 2
حين تكلّم المساء باسمها
في ذلكَ المساءِ،
حينَ انحنى الضوءُ فوقَ الطريقِ الريفيِّ
كأنهُ يبحثُ عن يدٍ يَسنةدُ عليها آخرَ أنفاسهِ،
ظهرتْ هي…
حيروشا
كأن النسيمَ كانَ يفسحُ لها ممرًّا بينَ غصونِ الشجر.
لم أكن أبحثُ عن شيء،
ولا كنتُ أعلمُ أن قلبي على وشكِ أن يتعثّرَ بخطوةٍ واحدة،
لكنّ القدرَ كان يتقنُ فخاخَه جيدًا،
وأنا
مثلُ طفلٍ غافلٍ
وقعتُ في أولِ كمينٍ من ابتسامتها.
رأيتُها،
فانكمشَ العالمُ من حولي،
وتوقّفت القلوبُ التي ليست قلبي،
وتنهّدت الساعاتُ جميعها،
كأنّها تُسلِّمها زمامَ الوقت.
قلتُ في سرظي:
من أينَ تأتي هذه التي تحملُ الليلَ في شعرها،
وتحملُ الفجرَ في صوتها،
وتحملُ الوردَ في خطواتِها؟
اقتربتْ…
فصار الطريقُ أوسع،
وصار الهواءُ أخف،
وصرتُ أخجلُ من قلبي لأنه يدقُّ بصوتٍ أعلى مما ينبغي.
وشعرتُ أن الحروفَ خرجت من فمها
مثلَ ريشِ طائرٍ يهبطُ فوقَ كتفِ الهدوء.
أجبتُها، وحتى لو كانت لا تعرفني
وتعثّرتُ في أول كلمة،
لأني لم أكن أعرفُ كيف يمكنُ للنطق أن يطاوعني
وقلبي يسبقني بخطوتين.
كانت تحملُ سكينةً
لا تأتي إلا لمن مرّوا على الحزنِ دون أن يستسلموا،
وكانت عيناها
تبدوان كأنهما نافذتانِ على موسمٍ لا ينتهي فيه الربيع.
وحينَ رفعتْ وجهها تجاهي،
شعرتُ بأن العالمَ كلّه
يعرضُ عليّ صفقةً واحدة:
أن أحبّها…
ولا أطلبَ شيئًا في المقابل.
لم أكن أعرفُ أنني سأسقطُ في غرامها بهذه السهولة،
ولا بهذه السرعة،
ولا بهذا الهدوء الذي يشبهُ صوتَ المطرِ
حين يطرقُ بابَ نافذةٍ وحيدة.
لكنني سقطت،
كما يسقطُ الحطبُ في حضن النار،
وكما يسقطُ العاشقُ في أولِ كلمةٍ
تقولها التي خُلقتْ من المعنى.
ومنذ ذلك المساء،
صرتُ أعرفُ أن اسمي
لا يكتملُ إلا إذا نطقتْه هي،
وأن قلبي
لا يستيقظُ إلا إذا خطتْ هي في جهةِ الشمس،
وأن عمري
لا يعودُ عمرًا
إلا حينَ تلتفتُ لي حيروشا
وتسألني سؤالاً عاديًا…
فتصيرُ الدنيا كلها غيرَ عادية.
هكذا تخيلت