ف5: مواجهة المجهول ..
الباب الثالث: المواجهة الأولى
"كنت أسمعها بوضوح الآن، خطواته الثقيلة تتنقل من جهة إلى أخرى حول المأوى. لم يكن الصوت بعيدًا، بل كان قريبًا جدًا. كأن هذا الكائن بدأ يقترب من بوابتي الخشبية الضعيفة. في البداية، حاولت أن أبقى هادئًا. دفعت نفسي للتفكير في خطة للهروب أو القتال، لكن لم يكن هناك وقت. كان الزئير يعصف بكل تفكيري، وكان هناك شيء في الصوت، شيء في تنفسه العميق الذي يسمعه قلبي أكثر من أذني، جعلني أرتجف من الداخل.
كانت لحظة كأنها توقفت فيها الحياة نفسها. بين لحظة وأخرى، صمت رهيب ملأ المكان. ثم، فجأة، جاء صوت شق الخشب. شعرت كأن شيئًا ثقيلًا جدًا بدأ يتحرك على الجدران الخارجية. كان كالعاصفة، يتسلل بين الألواح ويخترق كل دفاعاتي البسيطة.
ثم، وسط الظلام، رأيت أولًا عيونًا ضخمة، تتألق بلون أحمر مائل إلى البرتقالي، تراقبني من خلال فتحة صغيرة في الجدار. كانت العيون ثابتة، لا تتنقل، تراقبني بتركيز شديد. لم أستطع تحريك جسدي. شعرت أنني عالق في مكان لا أستطيع الهروب منه.
كان الوقت يمر ببطء، لكن شعرت أن كل ثانية كانت تمر كالعمر بأسره. حاولت التنفس بعمق، لكن الهواء كان كثيفًا، كأن الغابة نفسها كانت تضغط على صدري. لم أكن أستطيع التمييز إذا كان هذا الكائن يتحرك أم أنني فقط أسمع صدى خوف قلبي.
لكن لم يكن الوقت مناسبًا للضعف. سمعت فجأة صوته يقترب أكثر، خطواته ثقيلة ومرعبة. كان يقترب من الباب. وكأنني رأيته، رأيت ظله الضخم يمر عبر الفراغات بين الجدران، وتلك العيون المشتعلة تلمع كالجمر. قلبى كان يخفق بسرعة، وعيني تراقب في رعب. إذا اقتحم هذا الكائن المأوى، فسأكون فريسته الأولى. لم أعد أمتلك خيارًا.
أمسكت بالرمح الذي صنعته، يدي ترتجف بشدة، وكأنني أقاتل نفسي قبل أن أقاتل الوحش. الزئير كان يزداد قوة، الصوت يشق المكان كأن الأرض نفسها تهتز تحته. تراجعت خطوة إلى الوراء، بينما قلبى يصرخ داخلي: الآن أو لا شيء!
في تلك اللحظة، اختفى الصوت فجأة. كان الأمر غريبًا. لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان كأن هذا الكائن يراقبني الآن، يدرس تحركاتي، يعرف كل نقطة ضعف فيني. ثم، وبينما كنت أترقب كل ثانية، سمعت فجأة صوت أنفاسه العميقة وهي تقترب أكثر وأكثر. شعرت بشيء يتحرك من فوقي، كتلة ثقيلة تكاد تلمسني.
ولكنه لم يدخل... لم يهاجم مباشرة. شيء ما جعلني أدرك أن هذا الكائن كان يراقبني عن كثب. في تلك اللحظة، عرفت أنني لو تأخرت لحظة، لو خذلتني قدمي، لو ترددت ولو ثانية، لم يكن لهذا المكان أن يكون شاهداً على شيء سوى نهايتي."