الفصل التاسع
“الغرفة التي لم تُفتح منذ الولادة”**
الممر كان يبتلع خطواته
كأنه مصنوع من صمتٍ رطب،
صمتٍ يلتصق بالجلد
ويُثقل الهواء.
......................................................
كلما اقترب من الضوء الخافت في نهايته،
بدأ يشم رائحة غريبة…
رائحة تشبه مزيج
بين الورق القديم
والتراب المبلّل
وكأن أحدًا دفن ذكرياته
ثم نفضها الآن أمامه.
......................................................
وصل إلى نهاية الممر.
كان هناك باب صغير،
أصغر من أن يكون لغرفة عادية…
وأكبر من أن يكون مجرد مخبأ.
الباب لم يكن خشبيًا
مثل بقية البيت.
كان لونه رمادي باهت
كأن الزمن امتص حياته منه.
......................................................
مدّ يده ليفتحه،
لكن الباب سبقَه.
فتح نفسه
بصوت بطيء
يشبه شهقة قديمة
خرجت من صدرٍ متألم.
......................................................
الغرفة من الداخل
كانت فارغة…
إلا من شيء واحد فقط:
سرير طفل.
قديم.
مهترئ القماش.
وحده في منتصف الغرفة
وكأنه كان ينتظر
منذ سنوات طويلة.
......................................................
اقترب خطوة.
ثم أخرى.
لم يفهم.
لماذا يوجد سرير طفل
هنا؟
ما علاقة والده والأسرار
بسريرٍ تم إخفاؤه
خلف الممر السري؟
......................................................
على الوسادة الصغيرة
كانت هناك لعبة.
دمية قماشية
ممزق نصف وجهها،
وعين واحدة فقط
تنظر إليه.
وعندما مدّ يده ليحملها…
سقط شيء صغير من تحتها.
سوار.
سوار طفل.
أزرق اللون.
منقوش عليه حرف واحد:
(س)
......................................................
ارتعش قلبه.
لم يعد الأمر صدفة.
السلسلة التي وجدها…
الورقة…
الخدوش…
الظل…
والآن سوار طفل
عليه نفس الحرف.
جلس على الأرض،
قلبه يخفق بقوة
كأن شيئًا بداخله
يصرخ دون صوت.
قال بصوت مبحوح:
"من هو؟
مين هذا الطفل…؟
وليش أبوي خبّاه؟"
......................................................
وفجأة—
جاء صوت.
ليس ضحكة هذه المرة.
ولا همسة.
ولا طرقًا.
صوت بكاء.
بكاء طفل
قادم من جهة السرير.
ارتجفت أصابعه.
التفت ببطء.
السرير كان ثابتًا…
لكن البكاء مستمر.
بكاء خافت…
مقطوع…
كأنه يخرج من صدرٍ صغير
لا يستطيع التنفس.
......................................................
تقدم نحو السرير
ووضع يده على الحاجز الخشبي.
لكن المفاجأة كانت أكبر
مما يستطيع احتمالها.
خشب السرير
كان دافئًا…
دافئًا كأن أحدًا
كان نائمًا فيه قبل لحظة.
......................................................
همس:
"في أحد هنا؟
إذا أحد هنا…
قول لي."
سكت البكاء فجأة.
كأنه خاف من صوته.
ثم سمع صوتًا ثانيًا…
صوت جرّ خفيف،
قادم من زاوية الغرفة.
التفت.
هناك…
في الزاوية…
كان الظلّ.
لكن هذه المرة
لم يكن طويلًا
ولا قريبًا من شكل إنسان.
كان صغيرًا.
صغيرًا جدًا…
يشبه طفلًا
واقفًا بصمت.
......................................................
شعر بأن الأرض
تتحرك تحت قدميه.
اقترب خطوة واحدة
والظل لم يهرب.
لم يتحرك.
لكن شيئًا آخر حدث.
ظهر شيء
معلق في الهواء فوق الظل…
اسم.
بالضوء الخافت
استطاع قراءة الحرف الأول فقط:
س…
ثم اختفى الاسم.
......................................................
لم يتحمل أكثر.
وضع يده على رأسه
وكأنه يمنع ذاكرة ما
من الانفجار داخله.
همس بصوت منكسر:
"س…؟
سعود؟
سامي؟
سَل…؟
مين؟
مين الطفل…؟"
......................................................
لم يسمع إجابة.
لكن السوار الأزرق في يده
بدأ يسخن…
يسخن ببطء
حتى شعر بحرارته تخترق جلده.
وعندما رفعه أمام عينيه
رأى شيئًا صغيرًا
لم يلاحظه قبل…
على الجهة الخلفية من السوار
كانت هناك كتابة صغيرة جدًا:
“سنة الميلاد: —”
والتاريخ
كان مطموسًا…
كأنه مُسح
عمداً.
......................................................
جلس على الأرض مرة أخرى.
الغرفة بدأت تضيق.
الهواء يزداد ثقلًا.
والظلّ الصغير
ما زال واقفًا،
ينظر إليه
وكأنه ينتظر منه شيئًا واحدًا فقط:
أن يعترف…
بأنه يعرف هذا الطفل.
حتى لو لم يتذكره.
......................................................
تراجع للخلف،
لكن قدمه اصطدمت بشيء.
التفت…
كانت هناك صورة
منزلقة من تحت السرير.
التقطها.
لم يكن فيها وجوه واضحة…
لكن كان هناك رجل
يحمل طفلًا رضيعًا
ملفوفًا ببطانية زرقاء.
والأكثر ألمًا—
على طرف الصورة
كان مكتوبًا:
“الابن… س.”
......................................................
سقطت الصورة من يده.
وتوقف قلبه لثانية.
وقال بصوت مكسور:
"أنا…
كنت وحيد؟
ولا كان…
في أحد قبلي؟"
الغرفة لم تجب.
لكن الظلّ الصغير…
اقترب خطوة واحدة.
خطوة
كانت كافية
لتحطم كل ما كان يعتقد أنه يعرفه
عن نفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ