الفصل الخامس
“المفتاح الذي يفتح الذاكرة”**
المفتاح كان أثقل مما يبدو…
كأنه قطعة من زمن قديم،
زمن يرفض أن يُدفن مهما حاول صاحبه الهرب.
......................................................
وقف أمام الباب مرة أخرى.
نفس الباب…
لكن الشعور الآن مختلف.
كأن الظلام خلفه ينتظر أن يُفتح…
ليس ليمرّ، بل ليبتلع شيئًا.
......................................................
وضع المفتاح في القفل.
كان صوته معدنيًّا خشنًا…
صوت يوقظ الذاكرة قبل أن يوقظ الغرفة.
دفعه ببطء…
وبين كل حركة وأخرى
كان قلبه يخفق بطريقة لا تشبه الخوف فقط…
بل تشبه رجفة طفل عاد للمكان
الذي تعلم فيه معنى الألم.
......................................................
استدار المفتاح…
لكن الباب لم ينفتح.
وكأن الغرفة تقول له:
"مو كل شي جاهز تنكشفه."
شدّ عليه مرة أخرى.
هذه المرة…
سمع صوت “طَق” صغير،
كأن شيء داخل الباب تحرّك أخيرًا
بعد سنوات من الجمود.
......................................................
لم يفتح الباب كلّه.
انفتح بمقدار قبضة يد فقط.
تسلل هواء بارد…
ورائحة غريبة.
رائحة ورق قديم…
وأشياء تُركت دون أن تُلمس لوقت طويل.
......................................................
دفع الباب بيده…
وفجأة توقفت الحركة.
كأنه اصطدم بشيء غير مرئي.
رفع عينيه نحو الداخل…
وتجمّد.
الغرفة كانت مظلمة…
لكن في وسطها
كان الضوء الأصفر الباهت ينتشر من مصباح صغير
على الطاولة التي رآها من قبل.
......................................................
دخل خطوة…
ثم ثانية.
الأرض تصدر صريرًا خفيفًا،
وكأنه يمشي فوق ذاكرته هو،
لا فوق خشب الغرفة.
......................................................
اقترب من الطاولة.
كانت الرسالة هناك…
أو ما يشبهها.
ورقة مطوية بعناية،
لكن أطرافها محترقة قليلاً،
وكأن أحدًا حاول تمزيقها ثم تراجع
في آخر لحظة.
......................................................
مدّ يده إليها…
لكنه توقف عندما لمح
ذلك الظل القصير
يمرّ قرب الجدار مرة أخرى.
نفس الظل الذي رآه من الفتحة.
يتحرك ببطء…
بلا رأس واضح،
بلا يدين،
بلا ملامح.
ظلّ لا يشبه البشر،
ولا يشبه الأشياء.
......................................................
ارتجفت أصابعه.
همس لنفسه:
"مو معقول…
أنا بس متوهم؟"
لكن الظل كان يتحرك…
ويعود إلى مكانه
كأنه يجرّ شيئًا خلفه.
......................................................
اقترب أكثر.
الصوت الذي سمعه سابقًا
عاد من جديد.
تك…
تك…
تك…
لكن الآن كان قادرًا على معرفة مصدره.
الصوت لم يكن من الجدار…
ولا من الأرض.
الصوت كان يأتي
من تحت الطاولة.
......................................................
انحنى ببطء،
ورفع المصباح قليلاً.
وتحت الطاولة…
رأى شيئًا لم يتوقعه.
صندوق صغير.
مغلق بقفل صدئ،
يشبه القفل الذي كان على الباب تمامًا،
لكن أصغر…
وأمام الصندوق مباشرة،
كانت هناك كلمة محفورة على الخشب:
"لا تفتحه… إلا إذا كنت مستعدًا تخسر ما بقى منك."
......................................................
ابتعد نصف خطوة،
شعر أن الحروف نفسها تنظر إليه.
ومع ذلك…
مدّ يده إلى الصندوق.
لمس القفل.
أغلق عينيه.
وقال بصوت خافت، مكسور، لكنه ثابت:
"أنا من زمان خسران…
ما باقي إلا أعرف ليش."
......................................................
رفع الصندوق بيده…
والغرفة أصبحت أهدأ من المقابر.
الظلّ توقف عن الحركة.
والضوء الأصفر خفّ قليلاً.
كأن البيت كله
يحاول أن يبتلع أنفاسه
قبل أن تُفتح الحقيقة.
......................................................
خرج من الغرفة،
وصوّت الباب يغلق خلفه
كان يشبه نهاية شيء…
أو بداية شيء أسوأ.
نظر إلى الصندوق مرة أخيرة…
ووضع المفتاح بجانبه.
ثم همس:
"يا أبوي…
اللي خبّيته عني؟
أنا جاي أكشفه…
حتى لو ما عاد بقى فيني شي ينكسر."
......................................................
وبهذا،
بدأت رحلة جديدة…
رحلة لا تشبه البحث عن ذكرى،
بل البحث عن نفس مفقودة
في بيت…
لا يترك أحدًا يخرج بلا أثر.
ــــــــــــــــــــــــــــــ