الفصل الرابع
كان الممر المؤدي إلى غرفة والده
أضيق مما يتذكر…
وكأن البيت نفسه يحاول أن يمنعه من الوصول.
......................................................
ولأول مرة منذ دخوله،
شعر أن الظلام ليس مجرد غياب للضوء،
بل كائن حيّ…
يراقبه…
وينتظر أن يقترب أكثر.
أحيانًا،
الظلام ليس أسود.
الظلام…
هو الذاكرة.
......................................................
وقف أمام الباب.
الباب البني القديم،
الذي كان يسمع منه صراخًا ذات أيام،
وصمتًا أشد قسوة في أيام أخرى.
لم يكن الباب يخيفه…
بل ما وراءه.
قال بصوت خافت:
"يا رب…
إني قدرت أفتح بابها.
قدّرني أفتح بابه."
......................................................
مدّ يده نحو المقبض.
يده ارتجفت قليلاً،
لا من خوف…
بل من شيء أعمق:
رهبة.
لكن عندما حاول فتحه—
لم يتحرك.
كان مقفلاً.
كما لو أن أحدًا أغلقه قبل خروجه من البيت…
وأقسم ألا يُفتح مرة أخرى.
......................................................
أغمض عينيه.
لم يكن يريد كسر الباب.
كان يريد أن يعرف…
هل ما زال هناك سرّ خلفه؟
أم أن كل شيء مات مع الأيام؟
وبينما يفكر،
سمع تلك الطَرقَة الهادئة
تعود من جديد:
تك…
تك…
تك…
لكن هذه المرة…
لم تكن من غرفة أمّه.
كانت تأتي من داخل غرفة والده.
......................................................
تراجع خطوة…
لم يفهم.
الصوت واضح.
منتظم.
كأن أحدًا يكتب بقلم على الخشب…
أو يحاول فتح شيء من الداخل.
هل يعقل…؟
هل يعقل أن يكون هناك أحد؟
لا…
مستحيل.
لكن القلب لا يفهم المستحيل…
القلب يفهم الصوت فقط.
......................................................
اقترب مرة أخرى،
وضع أذنه على الباب.
الصوت أصبح أقرب…
أوضح…
وأشدّ قسوة.
وفي وسط الظلام،
تذكّر صوت والده يقول له يومًا:
"مو كل الأسرار تنقال،
في أسرار تنكتم…
عشان اللي نحبّهم ما ينكسرون."
ابتسم بمرارة.
وقال في نفسه:
"وانكسرت أنا… لأنكم ما قلتوا شيء."
......................................................
جمع شجاعته…
ووضع يده على المقبض بقوة.
ثم ضغط،
لكن لا فائدة.
استدار يبحث عن شيء يكسر به القفل،
لكن عينه وقعت على شيء لم يلاحظه قبل قليل.
أسفل الباب،
كان هناك خط رفيع جدًا من الضوء.
ضوء أصفر باهت…
كأن أحدًا في الداخل
أشعل مصباحًا ضعيفًا منذ سنوات
ولم ينطفئ.
......................................................
انحنى للأسفل…
ووضع عينه قرب الفجوة.
كانت الغرفة مظلمة…
لكن في النهاية،
هناك طاولة صغيرة،
وعليها شيء يشبه ورقة…
أو رسالة…
أو دفتر آخر.
وقبل أن يبتعد…
ظهر شيء آخر.
ظلّ.
ظلّ قصير…
يتحرك ببطء شديد داخل الغرفة.
ظلّ يشبه إنسانًا…
لكن بلا ملامح.
......................................................
تجمد جسده.
سقط قلبه في مكانٍ لا يعرفه.
حتى الهواء هرب منه تلك اللحظة.
رفع رأسه بسرعة،
واتكأ على الجدار وهو يهمس:
"مين… كان جوّا؟"
لكن لا أحد أجاب.
ولا الصوت عاد.
ولا الضوء تحرك.
......................................................
عاد واقفًا أمام الباب،
ووضع يده عليه مرة أخرى،
وقال بصوت مكسور:
"يا أبوي…
إذا تركت شي ورا هذا الباب…
أنا لازم أعرفه.
حتى لو ما كنت مستعد."
ثم استدار،
عازمًا على العثور على المفتاح…
المفتاح الذي قد يفتح الحقيقة،
أو يفتح جرحًا أكبر من كل ما عبره حتى الآن.
وفي تلك اللحظة،
سمع صوتًا صغيرًا خلفه—
كأن شيئًا سقط على الأرض.
التفت…
ورأى شيئًا صغيرًا عند قدميه.
مفتاح.
قديم…
صدئ…
كأنه كان مختبئًا في الظلام
ينتظر أن يسقط في اللحظة المناسبة.
......................................................
انحنى،
أمسكه بيده،
ونظر إليه طويلًا.
ثم همس:
"شكلك… قدرك مو صدفة."
ورفع عينيه نحو الباب المغلق…
باب غرفة والده.