الفصل الثالث
جلس على حافة السرير،
والدفتر الأسود بين يديه…
وكأن وزنه ليس ورقًا،
بل سنوات كاملة كان يحاول نسيانها.
......................................................
فتح الصفحة الثانية ببطء،
وكأنه يخشى أن تقفز الحقيقة من بين السطور.
كانت الكلمات قليلة…
لكن كل كلمة تشبه سكينًا صامتًا.
"ابني…
لو قدرت أشرح لك الألم اللي كنت أعيشه،
يمكن كنت بتسامحني.
ولو ما قدرت…
أتمنى على الأقل تفهم."
......................................................
قرأ الجملة مرات…
ولم يفهم شيئًا.
كيف يطلب منه الفهم
وهو الذي لم يجد يومًا من يفهمه؟
قال بصوت خافت:
"الحياة ما أعطتني فرصة أفهم نفسي…
تبيني أفهمك؟"
واكتشف أنه لأول مرة
منذ سنوات طويلة
يشعر بشيء يشبه الضعف…
ضعف يجلس بجانبه مثل صديق قديم.
......................................................
بدأ يقلب الصفحات،
صفحة وراء صفحة…
كل صفحة تحتوي سطرين فقط،
وكأن أمّه كانت تكتب وهي تخاف أن يكشفها أحد.
في أحد السطور كتبَت:
"كنت أقوى لما سكتّ…
وكنت أضعف لما تكلمت."
جملة جعلته يحبس أنفاسه.
كم من المرات شعر هو بنفس الشيء؟
كم مرة ابتلع الكلام حتى لا ينهار أمام غيره؟
......................................................
أغلق الدفتر للحظة،
ووضع يده على وجهه.
لا يعرف لماذا…
لكن شيئًا فيه بدأ ينهار ببطء.
ليس انهيارًا صاخبًا،
بل انهيارًا يشبه سقوط ورقة يابسة…
هادئ،
لكن مؤلم لدرجة لا تُحتمل.
......................................................
في تلك اللحظة،
سمع صوتًا خفيفًا عند الباب.
رفع رأسه.
الباب كان يتحرك ببطء،
وكأن أحدًا يقف خلفه
ويتردّد في الدخول.
نهض واقفًا.
اقترب خطوة…
ثم خطوة أخرى.
وبصوت متماسك قال:
"إذا أحد هنا…
طلع.
ماني جاي أزعج أحد."
......................................................
لم يخرج أحد.
لكن الباب عاد ينغلق ببطء…
وكأن البيت نفسه يريد أن يبقى وحده مع أسراره.
عاد إلى السرير،
وجلس وهو يشعر أن البيت
ليس خاليًا كما يظن…
بل مزدحم بأرواح الكلمات التي لم تُقَل.
......................................................
فتح صفحة أخرى.
هذه المرة…
كانت مختلفة.
خطّ أمّه كان متوترًا،
والكلمات كانت مرتّبة بشكل فوضوي
كأنها كُتبت في ليلة بكاء طويلة.
"أنا ما كنت أم سيئة…
كنت أمًّا موجوعة.
والأم الموجوعة تخطئ…
لكنها أبدًا ما تكره أولادها."
......................................................
ارتجف قلبه عند الجملة الأخيرة.
شعر وكأن أحدًا سحب الهواء من رئتيه.
كم مرة ظنّ أنها كرهته؟
كم مرة نام وهو يظن أنها تخلّت عنه بإرادتها؟
لكن الألم…
الألم دائمًا له وجه آخر.
والوجه الآخر
لا يراه إلا من اقترب من النار.
......................................................
أغلق الدفتر ببطء…
وتنفس بعمق.
ثم قال بصوت منخفض،
كأنه يكلّم الغرفة بدلًا من نفسه:
"لو كنتِ موجوعة…
ليش خبّيتي كل هذا؟
ليش خليتيني أكرهك…
وأكره نفسي معك؟"
لم يجب أحد.
لكن ريحًا خفيفة مرّت داخل الغرفة،
وحركت طرف الستارة
وكأن أحدًا مسحه على كتفه.
لحظة…
دفء بسيط جدًا…
لكن حقيقي.
......................................................
وقف،
وأمسك الدفتر بقوة،
وقال بصوت عميق:
"إذا كنتِ تبين الحقيقة…
أنا بعد أبيها.
حتى لو دمّرتني."
ثم خرج من الغرفة،
متجهًا إلى الجزء الأكثر عتمة في البيت…
ذلك الجزء الذي يخاف الاقتراب منه منذ طفولته.
السواد…
والصمت…
والباب المغلق منذ سنين.
باب غرفة والده.