الفصل الثاني
صوت لا يشبه الموت
لم يتحرّك…
ظلّ واقفًا عند أسفل الدرج، يحدّق في الظلام وكأنه ينتظر جوابًا من شيء لا يتكلّم.
البيت صامت…
لكن الصمت لم يكن مريحًا.
كان صمتًا يضغط على صدره…
صمتًا يشبه الذنب.
......................................................
رفع قدمه خطوة إلى الأمام،
خطوة واحدة فقط،
لكنها كانت كافية ليشعر أن الهواء تغيّر…
وكأن شخصًا ما تنفّس معه في اللحظة نفسها.
ارتجف.
ليس خوفًا… بل شيئًا أعمق.
شيء يشبه العودة إلى جرح تعرفه جيدًا.
......................................................
"أمّي؟"
قالها مرة أخرى،
لكن صوته خرج مكسورًا…
نصفه رجاء، ونصفه خوف من الحقيقة.
لم يُجب أحد.
لكن هناك إحساسًا غريبًا
كأن الجدران ارتجفت…
كأن البيت كلّه شعر بندائه.
......................................................
صعد أول درجة.
ثم الثانية.
كانت خطواته ثقيلة،
وكأن الماضي يمسك بقدميه ليمنعه من الوصول إلى الحقيقة.
ومع كل خطوة،
كانت ذاكرة صغيرة تستيقظ:
طفل يجلس عند باب الغرفة…
يبكي بصمت…
وأمّ تمشي مبتعدة، لا تلتفت.
......................................................
حين وصل منتصف الدرج،
سمع ذلك الصوت مرّة أخرى.
تك… تك… تك.
وكأن شيئًا معدنيًا يضرب الخشب.
صوت ضعيف…
لكن منتظم.
كأن أحدًا يقرع على بابٍ مغلق منذ سنوات.
أغمض عينيه لحظة.
وقال في داخله:
"كم مرّة حاولت أن أتجاهل هذا الصوت؟
كم مرّة هربت؟
وها أنا أعود إليه من جديد…"
......................................................
عندما فتح عينيه،
لم يرَ ظلًا هذه المرّة…
بل رأى باب الغرفة القديمة،
باب غرفة أمّه.
كان نصف مفتوح.
ومع كل هبّة ريح، يضرب طرفه الخشب…
تك… تك…
الصوت الذي ظنه همسًا كان مجرد باب.
لكن الألم…
الألم لم يكن مجرد شيء يمكن تفسيره.
......................................................
اقترب من الباب ببطء.
يده ترتجف وهو يمدّها للمقبض.
كم من السنوات هرب من لمس هذا الباب؟
كم من الليالي نام وهو يتخيل ما خلفه؟
وقبل أن يدفعه،
تسلّلت إلى ذهنه عبارة كانت تقولها له جدّته:
"مو كل باب ينتظرك تفتحه…
في أبواب إذا فتحتها تهدم العمر كلّه."
ابتسم بمرارة.
وقال لنفسه:
"عُمري مهدوم من زمان."
......................................................
دفع الباب.
الغرفة مظلمة…
لكن ليست فارغة.
السرير كما هو…
الستائر مغلقة…
والمرآة على الجدار تعكس ضوءًا خافتًا من الشارع.
على الطاولة،
كان هناك دفتر أسود…
قديم…
مغطّى بطبقة غبار خفيفة،
لكن أحدًا فتحه مؤخرًا — كان الغبار منقسمًا بشكل واضح.
اقترب.
جلس على طرف السرير الذي ما زال يحتفظ برائحتها القديمة.
فتح الصفحة الأولى.
كانت هناك جملة واحدة فقط:
جملة كتبتها أمّه بخطّ مرتجف،
جملة كسرت كل ما تبقّى من صلابته.
"ابني… سامحني."
......................................................
شعر أن الأرض تحته تهتز.
عيناه امتلأتا…
لكن الدموع لم تنزل.
كانت الدموع ترفض الخروج
وكأنها تعرف أن ما سيأتي
أقسى من أن يُبكى عليه الآن.
أغلق الدفتر،
ولم يفهم—
هل هذه بداية الحقيقة؟
أم بداية الألم الحقيقي؟
......................................................
وقبل أن ينهض،
سمع صوتًا خافتًا خلفه…
كأنه تنفّس.
استدار بسرعة.
الغرفة فارغة.
لكن الهواء تغيّر.
شيء ما…
أحد ما…
كان في الغرفة معه قبل لحظة.
همس بصوت مكسور:
"إذا كنتِ هنا… قولي شي…
ليش تركتيني؟"
لم يجب أحد.
لكن ستارة النافذة تحركت فجأة،
وكأن أحدًا مرّ بجانبها.
......................................................
وقف في منتصف الغرفة،
وحمل الدفتر بيده.
وقال بصوت مرتجف…
كأنه وعد لنفسه:
"إذا كانت الحقيقة في هالصفحات…
أقسم إني بقرأها…
مهما وجعتني."