الفصل الاول
العودة التي لم تكن اختيارًا
كانت السماء تمطر كأنها تغسل الطريق الذي يقوده إلى القرية…
القرية التي هجَرها منذ سنوات، ولم يظنّ يومًا أنه سيعود إليها مرّة أخرى.
.....................................................
أوقف سيارته أمام بوابة البيت.
البيت نفسه… لكنّه لم يعد يشبه شيئًا من ذاكرته.
النوافذ مُطفأة، والجدران تشققت، وكأن السنين مرّت عليه مثل مرض لا شفاء منه.
.....................................................
تنفّس بعمق.
لم يكن مستعدًا.
ولا كان يريد أن يكون.
.....................................................
أخرج من جيبه الورقة القديمة التي وصلته قبل أسبوع.
ورقة بلا توقيع… بلا تاريخ…
خطّ هشّ كأنه مكتوب بيد ترتجف.
“الحقيقة ماتت… إلا إذا عدت أنت.”
.....................................................
كان يتمنى أن تكون مزحة.
أو محاولة بائسة لجذبه للماضي الذي دفنه.
لكن شيئًا ما في الرسالة كان يشبه الجرح الذي لا يلتئم…
الجرح الذي يعرف طريقه جيدًا.
.....................................................
مدّ يده ودفع الباب الخشبي.
لم يُصدر أي صرير…
وكأن البيت كان ينتظره.
.....................................................
دخل بحذر.
الهواء بارد… أثقل من الليل نفسه.
رائحة غبار، ورائحة أخرى… قديمة، مألوفة، تخنقه من الداخل.
.....................................................
نظر حوله.
الصالة كما تركها في آخر ليلة…
الأثاث مغطّى بقطع قماش بيضاء،
تمامًا كما يغطي الناس وجوه الموتى عند الرحيل.
.....................................................
اقترب من الطاولة.
هناك شيء لم يكن هنا من قبل.
صندوق خشبي صغير.
مغلق بقفل صدئ.
لا كتابة… لا إشارة…
لكنها وُضعت هنا مؤخرًا — يعرف ذلك من لمعان الغبار حولها.
.....................................................
مدّ أصابعه ولمس الصندوق.
ارتجف… لا بسبب البرد،
بل بسبب ذكرى اندفعت بلا إذن:
طفل صغير… يبكي… ويد تُغلق بابًا بقوة.
سحب يده بسرعة.
.....................................................
سمع وقتها صوتًا خلفه.
ليس صوت شخص…
بل صوت شيء يسقط من أعلى الدرج.
رفع رأسه.
الدرج غارق في الظلام.
لكن هناك ظلّ تحرّك — ببطء… وكأنه يتردد بين الهرب أو الظهور.
.....................................................
تجمّد مكانه.
لم يأتِ أحد معه إلى هنا…
والبيت يجب أن يكون فارغًا.
لكن الظلّ…
كان يعرف شكله جيدًا.
شكلًا لم ينسَه يومًا.
همس بصوت منخفض، يكاد لا يسمعه:
"…أمّي؟"