قصص قصيرة يومية - يبحث عن نفسه في الدخان - بقلم أشرف مغليفي | روايتك

اسم الرواية: قصص قصيرة يومية
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: يبحث عن نفسه في الدخان

يبحث عن نفسه في الدخان

لم يكن “آدم” شريرًا، ولا طائشًا. كان فقط… تائهًا. كان يحسّ أن العالم يمشي بسرعة لا يستطيع اللحاق بها. وأن داخله غرفة مغلقة، لا يعرف كيف يفتح بابها. وحين كان يرى الناس يبتسمون بسهولة، كان يشكّ أن في داخله شيئًا ناقصًا… شيئًا لا يعرف اسمه. في ليلة باردة، حين كان عمره 17 عامًا، جلس مع مجموعة شباب في الحي. كلام عابر، ضحك، هروب من الفراغ. أعطاه واحد منهم لفافة صغيرة وقال له: «جرّب… ترتاح شوية.» لم يكن آدم يبحث عن المتعة… كان يبحث عن صمت يوقف ضجيج رأسه ولو لثوانٍ. أخذ نفسًا صغيرًا… وللحظة قصيرة، شعر أن العالم يبتعد وأنه أخفّ من نفسه. قال في داخله: “أخيرًا شيء يُسكت كل هذا.” لكن ذلك الشعور لم يكن نورًا… كان ستارة. مجرد ستارة تخفي العتمة، ولا تعالجها. مرت سنوات، والستارة تكبر… وكلما سقطت، عاد الفراغ أعمق. كان آدم يعرف أنه يدمّر نفسه، يعرف أن المادة لا تحل شيئًا، لكن شيئًا غريبًا في داخله كان يقول: “أهرب الآن… فكّر لاحقًا.” إلى أن جاء ذلك اليوم… اليوم الذي انطفأت فيه كل الأصوات جلس آدم وحده قرب نافذة بيته. لا موسيقى، لا أصدقاء، لا دخان… فقط صمت صافٍ كأن الزمن توقف. لأول مرة منذ سنوات، سمع صوتًا لم يسمعه من قبل: صوت حقيقته. قال له ذلك الصوت الهادئ: > "أنت لا تبحث عن النسيان… أنت تبحث عنك." شعر آدم أن الكلمة دخلت عميقًا فيه. أدرك فجأة أن كل تلك السنوات لم يكن فيها هاربًا من العالم… بل هاربًا من نفسه. كان يخاف مواجهة السؤال الأكبر: “من أنا… حين أكون بلا مخدر؟” ارتجفت يداه. ليس خوفًا من الإدمان… بل خوفًا من اكتشاف ذاته الحقيقية تحت كل تلك الطبقات. جلس على الأرض، وأسند رأسه إلى الحائط. ولأول مرة، لم يبكِ لأنه ضعيف… بل لأنه يريد أن يتغير. فهم شيئًا مهمًا: > الهروب لا يطفئ الألم، الهروب يُطفئك أنت. وأن أقسى رحلة في الحياة ليست معها جبال أو بحار… بل رحلة الإنسان إلى داخله. تنفس بعمق. لم يشفَ في لحظة. لم يصبح قويًا فجأة. لكنّه اتخذ القرار الذي يصنع الفرق: “غدًا… سأواجه نفسي. ولن أهرب.” ذلك القرار وحده، كان أول نقطة نور حقيقية في حياته. نقطة صغيرة… لكنها ليست ستارة. كانت بداية فتح الباب المغلق في داخله.