ف3: تأقلمٌ مع المجهول....
الباب الخامس: شرارة الضوء الأولى
"كانت العاصفة قد مرت أخيرًا، مخلفة وراءها الأرض مشبعة بالماء، والهواء مثقل برائحة الطين والأخشاب المبتلة. جلست خارج مأواي، أشعل النار التي أصبحت صديقي الدائم. شعرت بالدفء يزحف إلى جسدي المتعب، لكن الظلام الذي أحاط بالغابة كان مرعبًا كعادته.
للمرة الأولى منذ وصولي هنا، شعرت بحاجة ماسة إلى النور، ليس فقط لإضاءة المكان، بل لتخفيف هذا العبء النفسي الذي يفرضه الظلام عليّ كل ليلة. النور كان فكرة، وكان أيضًا رمزًا للأمل.
بدأت أبحث حولي عن أشياء يمكن أن تساعدني في صنع شعلة أفضل. وجدت جذعًا مجوفًا وقليلًا من الأوراق الجافة. ثم تذكرت أنني أثناء بحثي في الأيام الماضية وجدت حجرًا غريبًا يشبه البلور اللامع. أخذته من بين أغراضي، وقلبته بين يدي، أدرس شكله وملمسه.
كانت لدي فكرة بسيطة. في عالم الكهرباء الذي كنت أعمل فيه، كنت أعلم أن الطاقة يمكن أن تُولد بالاحتكاك، أو بالتركيز. ربما هذا الحجر يمتلك شيئًا من تلك القوة.
ربطت الأوراق الجافة حول طرف الغصن المجوف، وضعتها بجانب النار المشتعلة، وبدأت أفرك الحجر بقطعة من القماش. لم يكن لدي أي يقين، لكنني كنت بحاجة لمحاولة شيء جديد.
مرت لحظات طويلة شعرت أنها أبدية. كنت أضغط وأفرك، أتنفس بصعوبة، حتى بدأت أرى شرارة صغيرة تتطاير من الحجر. عيني اتسعتا بدهشة وقلبي بدأ ينبض بسرعة. كانت تلك الشرارة هي أول بصيص أمل حقيقي رأيته منذ وصولي إلى هذا المكان.
بعد عدة محاولات، اشتعلت الأوراق أخيرًا بنار صغيرة. وضعت الشعلة في داخل الغصن، ورفعتها أمامي. كانت اليد التي أمسكت بها ترتعش، ليس من التعب، بل من الفرح الذي لم أشعر به منذ زمن.
تقدمت نحو الغابة، أحمل الشعلة كأنها كنز. كل خطوة تأخذني بعيدًا عن الخوف الذي كان يسيطر عليّ. الآن لدي النور، ولدي السلاح، ولدي الرغبة في الاستمرار. كنت أشعر أن هذا العالم، رغم قسوته، يمكن أن يخضع لإرادتي إذا تعلمت كيف أفهمه.
جلست تلك الليلة أمام النار، أراقب الشعلة وهي تتراقص، وأتخيل وجه زوجتي وهي تحمل ابننا بين ذراعيها. تذكرت كيف كان النور يملأ منزلنا، وكيف كنت أطفئ الأنوار عندما نلعب جميعًا، فقط لنشعلها لاحقًا وسط ضحكاتنا.
النور هنا لم يكن مجرد وسيلة. كان رمزًا لكل ما أفتقده ولكل ما أقاتل لأجله.
في تلك الليلة، قررت أنني لن أكون مجرد ضيف في هذا العالم. سأصنع لنفسي مكانًا فيه، وسأضيء طريقي حتى أصل إلى عائلتي... مهما كلفني ذلك."