وميض في الظلام - ف3: تأقلمٌ مع المجهول.. - بقلم أشرف مغليفي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وميض في الظلام
المؤلف / الكاتب: أشرف مغليفي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ف3: تأقلمٌ مع المجهول..

ف3: تأقلمٌ مع المجهول..

الباب الثالث: درسٌ من الصيادين "أشرقت الشمس مجددًا، لكنها لم تحمل معها أي شعور بالراحة. كنت أعلم أن الوقت ليس حليفًا لي، وأن الجوع الذي ينهش أحشائي يحتاج لحل سريع. جلست أمام النار التي باتت جزءًا من حياتي هنا، أحاول تنظيم أفكاري. الطعام الذي اعتمدت عليه حتى الآن لم يكن كافيًا. الثمار الغريبة لم تعد تسد رمقي، وكنت بحاجة إلى طاقة تكفي لمواجهة الغابة القاسية. في تلك اللحظة، استعدت ذكرى الليلة الأولى هنا، عندما رأيت الذئاب الصغيرة وهي تطارد فريستها بخفة وتناغم. كنت أتأمل حركاتها آنذاك دون وعي، لكنني الآن أدركت أن عليّ أن أتعلم منها. الصيد كان مفتاحًا للبقاء. حملت رمحي البدائي، وخرجت نحو أعماق الغابة، أراقب كل حركة وكل صوت. استغرقت وقتًا طويلًا للتأقلم مع الإيقاع البطيء لهذا العالم، حيث كل خطوة يمكن أن تقودك إلى فرصة... أو خطر. بعد فترة، توقفت عندما سمعت حركة ضعيفة بين الأوراق. رأيته أخيرًا: مخلوق صغير يشبه الأرنب، لكن له آذان أطول وجسد أكثر قوة. كان منشغلًا بقضم نباتات قريبة، غير مدرك تمامًا لوجودي. تجمدت في مكاني، أحاول أن أكون جزءًا من الغابة نفسها. بدأت أرفع رمحي ببطء، أصارع ارتعاشة يدي. كنت أعلم أنني بحاجة لهذه الفريسة، لكن فكرة القتل ظلت تزعجني. كان هناك شيء في داخلي يقاوم، كأنني أخون جزءًا من إنسانيتي. لكن الجوع كان أقوى. أخذت نفسًا عميقًا وألقيت الرمح بكل ما أوتيت من قوة. أصاب الرمح المخلوق، لكنه لم يسقط فورًا. انطلق يجري لبضع خطوات، قبل أن يتهاوى أخيرًا. وقفت مكاني لوهلة، أنظر إلى جسده الصغير المسجى على الأرض. شعرت بمزيج غريب من الانتصار والحزن. تقدمت نحوه ببطء، ورفعت جسده، وأنا أفكر: هذا هو الثمن الذي يجب أن أدفعه كي أعيش. عدت إلى مأواي، وأشعلت النار مجددًا. جلست أمامها، أضع الفريسة أمامي. تذكرت زوجتي في تلك اللحظة. كيف كانت تعتني بابننا الصغير، تطعمه بيدها وتداعبه بحب. فكرت، ماذا لو كان يراني الآن؟ هل كان سيفهم ما أفعله؟ هل كان سيفخر بي؟ أم أنه كان سيخاف مني؟ بدأت أنزع جلد المخلوق باستخدام حجر حاد. لم يكن الأمر سهلاً، ويدي كانت ترتجف مع كل حركة. شعرت أنني لست فقط أنزع الجلد عن جسده، بل عن جزء من روحي. كنت أحاول البقاء، لكن في المقابل، كنت أفقد شيئًا مني في كل خطوة. أعددت اللحم بأبسط الطرق، وأكلت. الطعم لم يكن جيدًا، لكنه أعاد لي بعض القوة. كانت هذه أول وجبة حقيقية منذ أن وجدت نفسي في هذا المكان. أثناء الأكل، أدركت أنني لم أعد نفس الشخص الذي كنت عليه. في الليل، جلست أمام النار مجددًا، أحمل رمحي في يدي. لم يكن الصيد مجرد وسيلة للحصول على الطعام. كان درسًا. الطبيعة هنا لا تعرف الرحمة، وأنا أيضًا لم يعد بإمكاني أن أكون ضعيفًا. إذا كنت سأعيش في هذا العالم، فعليّ أن أتعلم قوانينه وأتأقلم معها، مهما كان الثمن. مع كل شرارة تنطلق من النار، كنت أشعر بأنني أقترب أكثر من فهم هذا العالم. كنت أتعلم أن القوة ليست في القدرة على القتال فقط، بل في القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة... وفي مواجهة ما يترتب عليها."