1)الليلة التي غيرت حياتي ..
الباب الثالث: الوحدة القاتلة
"الوحدة في هذا المكان لم تكن مجرد شعور، بل كانت كيانًا حيًا، يزحف إلى داخلي، ينهش روحي، ويُثقل قلبي كما لم أشعر من قبل. كنت أسير بلا هدف بين الأشجار العملاقة، خطواتي متعثرة، وأنفاسي تتقطع من التعب والخوف.
كل شيء هنا يبدو غريبًا، حتى صمته. لا همسات ريح مألوفة، لا زقزقة طيور، فقط صمت يضغط على رأسي كأنه يذكرني: أنت وحدك الآن.
كنت أتذكر وجوه من تركتهم خلفي. زوجتي التي كانت تنتظرني بقلق كل مساء، وولدي الصغير الذي لم ينطق كلمة "بابا" بعد. هل أنا عالق هنا إلى الأبد؟ هل سيعرف أحد ما حدث لي؟ هل سيمرون على تلك الفيلا الباردة ليجدوا فقط أدواتي المتناثرة وصمتي؟
بينما كنت غارقًا في أفكاري، قاطعني صوت خافت، كأنما تسلل من أعماق الظلام. كان أشبه بحفيف أوراق، لكنه كان منتظمًا أكثر، كخطوات محسوبة على أرض الغابة. توقفت عن المشي. حدقت في الظلام المحيط بي، جسدي كله متوتر كوتر مشدود.
'ربما مجرد حيوان صغير،' همست لنفسي محاولًا أن أهدئ روعي، لكن قلبي كان يقول عكس ذلك. كان هناك شيء مختلف في هذا الصوت، شيء جعله ينساب إلى داخلي كبرودة جليدية.
ثم رأيته. بين الظلال، ظهر كائن لم أستطع أن أصفه بوضوح. كان يشبه الإنسان، طويل القامة، نحيفًا بطريقة غير طبيعية، وملامحه غامضة تحت ضوء القمر الشاحب. عيناه... تلك العينان، تتوهجان بلون أخضر باهت، كأنهما مصباحان صغيران يخترقان الظلام مباشرة إلى أعماقي.
تجمدت في مكاني، لا أستطيع أن أتحرك. كان جسدي ثقيلًا كالصخر، ودموعي تكاد تنهمر دون وعي. ليس من الخوف فقط، بل من العجز. شعرت وكأنني طفل صغير، ضائع، يواجه شيئًا أكبر من فهمه.
الكائن لم يتحرك، فقط كان يراقبني بصمت. كان صمته أشد وطأة من أي صيحة يمكن أن يطلقها. ماذا يريد؟ لماذا لا يقترب؟ أو لماذا لا يبتعد؟
بدأت أرتجف. لم يكن البرد، بل شيء أعمق. ذكريات طفولتي عادت فجأة، تلك الليالي التي كنت أستيقظ فيها مفزوعًا من الكوابيس، وأجري إلى حضن والدتي. لكنها ليست هنا الآن. لا أحد هنا.
لكن وسط خوفي، وسط هذا السيل الجارف من المشاعر، شعرت بشيء آخر. كان صغيرًا، لكنه كان هناك... جزء صغير مني رفض الاستسلام. إذا كنت سأموت هنا، فلن يكون الآن. ليس هكذا.
ببطء، أخذت خطوة إلى الخلف. ثم أخرى. كان الكائن لا يزال يراقبني، لكنه لم يتحرك. كنت أتحرك ببطء شديد، كأنني أسير على حافة هاوية. أخيرًا، اختفى الكائن بين الظلال كما ظهر، وكأنه لم يكن هناك من الأساس.
سقطت على ركبتي، جسدي كله يرتجف، ليس من الخوف فقط، بل من المشاعر التي اجتاحتني دفعة واحدة. شعرت بالضعف، بالهزيمة، بالحزن الذي خنقني.
جلست هناك، أحدق في الأرض تحت قدمي، بينما دموعي تسيل بصمت. لم أكن أبكي فقط خوفًا مما رأيته، بل حزنًا على نفسي. على وحدتي. على حقيقة أنني في مكان لا أستطيع فهمه أو الهروب منه.
لكن وسط هذا الحزن، ظهرت فكرة صغيرة، ضعيفة، لكنها كانت كافية لتحملني. إذا كنت سأعيش هنا، إذا كان هذا هو قدري، فلن أكون ضحية. سأفعل كل ما بوسعي لأبقى حيًا. سأقاتل، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة هذه الوحدة وهذا الخوف كل يوم.
نهضت ببطء، أمسح دموعي بيدي المرتعشة. كانت قدماي ثقيلتين، لكنني تابعت السير. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، لكنني عرفت أنني يجب أن أستمر. لأن الاستسلام في هذا المكان كان يعني النهاية."