الفصل الثالث
الفصل الثالث: المرآة لا تعكس شيئًا
كانت رغد تقف أمام المرآة منذ دقائق طويلة، لكنها ما كانت ترى نفسها.
وجهها باهت، عيناها غارقتان في دوائر سوداء، والملامح التي تعرفها بدأت تشبه شخص آخر… شخص منهك، خامد، كأنه مخلوق من ضوء منطفئ.
رفعت يدها ولمست خدّها.
البرودة اللي شعرت فيها ما كانت من جلدها… بل من الداخل.
من ذاك المكان اللي ما عاد يعرف الدفء.
رنّ هاتفها على السرير.
لم تكن تبغى تفتحه، لكن فضولها – أو خوفها – كان أقوى.
رسالة جديدة.
"أنتِ تتغيرين… والناس ما انتبهوا. لكنّي أشوف كل شيء."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
الرسائل ما كانت مجرد كلمات… كانت مراقبة.
وكأن أحد جالس معها في الغرفة، يتابع كل خطوة وكل حركة.
كتبت ببطء:
"وش تبغى مني؟"
جاء الرد بعد ثانيتين:
"أبغاكِ تسمعين صوتك. مو صوت الناس. صوتك الحقيقي."
رفعت رغد رأسها… عادت تنظر للمرآة.
لكنها شعرت أنها ما تنظر لنفسها؛ بل لشخص يحدّق فيها من داخل الزجاج.
أغلقت الأنوار فجأة بسبب انقطاع الكهرباء.
غرق المكان في ظلام ثقيل، والهواء صار باردًا بشكل غير طبيعي.
قلبها تسارع، ويدها ترجفت وهي تتحسس طريقها للمفتاح… لكنها توقفت.
لأن الضوء الخفيف من شاشة هاتفها كشف شيئًا خلفها في المرآة.
لم يكن أحد.
لكن إحساس "الوجود" كان واضحًا… قويًا… لدرجة أنها اضطرت تبتعد خطوة للخلف.
صرخت بدون صوت.
وللمرة الأولى، دمعة سقطت من عينها بدون ما تقاوم.
جلست على الأرض، ضامة ركبتيها، وصوت المطر بالخارج يضرب النافذة بقوة.
كانت تحاول تهدي نبضها… لكنها ما قدرت.
وسط كل ذلك… تذكرت إياد.
تذكرت نظرته الثقيلة اليوم في القاعة، وكأنه يعرف شي عنها.
شي يخوّف.
هل ممكن… يكون هو خلف الرسائل؟
ولا مجرد تزامن؟
ولا هو الوحيد اللي انتبه أن فيه شيء قاعد ينهار بداخلها؟
وفي وسط هذا التفكير… جاء إشعار جديد.
"اللي تشوفيه بالمرآة… مو أنتِ. لو تبين الحقيقة، لا تهربي بكرة."
رفعت رأسها بسرعة.
عيونها امتلأت رعبًا… ورغبة ضعيفة بالفهم.
رسالة أخرى لحقَتها مباشرة:
"أنا موجود أقرب مما تتوقعين."
ضغطت رغد على صدرها بيدها.
شعور الاختناق رجع بقوة.
ولأول مرة منذ بداية كل شيء… خطرت في بالها فكرة طُمسَت مدة طويلة:
يمكن أنا مو بخير… يمكن فعلاً في شيء غلط داخلي ما عاد أقدر أهرب منه.
المطر بالخارج صار أثقل، وصوت الريح بدأ يصفر من شقوق النافذة.
لكن رغد… كانت تغرق في صمت أكبر من كل الأصوات.
صمت يشبه نهاية شيء…
أو بداية انهيار.
يتبع....