حين يُسجَن النور - ذاكرة الحجر الأسود - بقلم خديجة اهريمش | روايتك

اسم الرواية: حين يُسجَن النور
المؤلف / الكاتب: خديجة اهريمش
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ذاكرة الحجر الأسود

ذاكرة الحجر الأسود

الهواء كان ثقيلاً، ممتلئًا برائحة الغبار والأحجار القديمة، حينما دخلت ليان ورشة والدها القديمة، بعد أيام من مطاردتها مع ريف. الحجر الأسود الذي كانت تحتفظ به على الرفّ لم يبدُ كما اعتادت عليه، فقد اهتزت خطوطه الغامضة وكأنها تحركت من تلقاء نفسها. تقدمت ليان بحذر، ومضت أصابعها على سطحه البارد، فجأة انطلقت ومضات ضوء خافتة، تشبه ذكريات لم تُروَ بعد. لم تكن مجرد رؤية، بل شعور، وكأن الحجر يحكي لها عن حدث قديم، عن يدين مألوفتين، عن طفل يتيم يختبئ من الظلام. ريف وقف خلفها، لا يتحرك، لكن عينيه كانت ثابتة على الحجر، يتابع كل انعكاس للضوء، وكل اهتزاز صغير. صمت بينهما لم يكن ثقيلًا، بل مشحونًا بتوقعات لم يُسمح لأي منهما بالكلام عنها بعد. قالت ليان أخيرًا، بصوت كاد يختنق: "هذا الحجر… يتذكر شيئًا من والدي. شيء عنك." التفت ريف نحوها، وعيناه تتأملانها، ليس بغضب، بل بفضول لم تعتده. "أتقصدين أن والديك كان له دور في ما أنا عليه؟" نظرت إليه ليان، ورأت في عينيه الصدمة والارتباك، وكأن معرفة هذا السر كانت أخطر من مواجهة قبيلة بأكملها. المفاجأة لم تتوقف هنا. الحجر بدأ يصدر خفقات خفيفة، تحركت داخلها مشاعر غريبة: خوف، حذر، ثم احترام متبادل. كانت تعلم أن ريف لم يسرق المخطوطة لأنه يريد القوة، بل لأنه يبحث عن شيء ضائع منذ زمن طويل، شيء يعرفه والدها. ريف اقترب خطوة، لكن ابتعد عندما لمست يده الحجر عن غير قصد. "لم أقصد… لم أرغب في…"، قال وهو يكتم الكلمات، وبدت على وجهه ملامح صراع داخلي. ليان تنفست بعمق، وقالت: "ربما… ربما أنت لا تعرف قيمتك الحقيقية بعد، وربما الوقت سيخبرنا." مرت دقائق، وكأن الورشة بأكملها توقفت، الحجر الأسود يرسل صورًا وذكريات عن الماضي، بينما ليان وريف واقفين، أكثر إدراكًا لمعنى ما يربطهما: الماضي، الأسرار، والأحجار التي لا تنسى. في تلك اللحظة، أدرك كل منهما شيئًا مهمًا:أن الضوء حين يُسجن يصبح أكثر خطرًا من الظلام…