حين يُسجَن النور - مطاردة عبر الأزقة الضيقة - بقلم خديجة اهريمش | روايتك

اسم الرواية: حين يُسجَن النور
المؤلف / الكاتب: خديجة اهريمش
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مطاردة عبر الأزقة الضيقة

مطاردة عبر الأزقة الضيقة

لم يكن الليل تلك المرة صامتًا كما اعتادت ليان. فالمدينة، التي كانت تبدو دائمًا هادئة مثل حجرٍ نائم، بدت كأنها تستيقظ على خطوة غير محسوبة. أول ما سمعته كان صوت البوق الحديدي الذي لا يُنفخ إلا عند إعلان حالة المطاردة. رفعت رأسها، فالتقت عيناها بعيني ريف. لم يكن في نظره رجاء ولا تهديد… فقط ذلك الهدوء الغريب الذي يسبق العاصفة. قال بصوت منخفض: "لقد وجدونا." لم تفهم كيف ولا متى، لكنها رأت شرارات حمراء تتوهج في السماء. علامة معروفة: سحرة الحراسة في كل الأزقة… يبحثون عمّن يملك سحرًا غير مسجّل. أمسكت ليان بسكين النحت الصغيرة، ليس كأداة للقتال بل كشيء يمنحها الشجاعة. لم تكن تثق به تمامًا، لكنها كانت تثق أكثر بأن أولئك الذين يطاردونه… ليسوا أبرياء. قالت: "اتبعني." ركضت عبر الممر الخلفي للورشة، حيث لا يعرف الطريق أحد سوى والدها. كان المكان ضيقًا، يشبه شقًّا بين جدارين انكمشا بفعل الزمن. تبعها ريف في صمت، خطواته خفيفة كأنه اعتاد الفرار طوال حياته. حين وصلا إلى المنعطف، سمعا أصوات الحراس تقترب: "الهجين موجود هنا! رصدنا أثره السحري!" شدّت ليان قبضتها،لم تكن تفهم بعد ما الذي يريده ريف من المخطوطة، لكنها تعرف شيئًا واحدًا: لو وقع في أيديهم، فلن يخرج حيًّا. قالت بصوت منخفض، لكنها شعرت بثقل كلماتها: "لا تتوقف… حتى لو سمعتني أصرخ." لم يجب. لكن نظرة واحدة منه كانت كافية لتفهم أنه لم يسمع مثل هذه الجملة من قبل… جملة تعني أنّ أحدًا يفكر بسلامته، ولو للحظة. تقدما بسرعة أكبر، لكن عند نهاية الزقاق ظهر أمامهما حاجز طاقة مرتفع، يلمع بلون نحاسي قاسٍ. رفع ريف يده، وبدا أن الضوء داخل جلده نفسه يتحرّك. قال بحدة: "إنه حاجز من الطبقة الثالثة… لا يمكن اختراقه بسهولة." نظرت ليان حولها،لا مخرج،الحراس يقتربون. صوت الخطوات أصبح أثقل، أقرب، ملتفًا حول الأزقة مثل مطرقة بطيئة. تنفست بعمق، ثم قالت: "أعطني يدك." تردد ريف لحظة قصيرة، وكأن فكرة الثقة بشخص آخر غريبة عن عالمه،ثم مدّ يده أخيرًا. لم يكن بينهما أي شعور مُصطنع… فقط خوف مشترك جمعهما للحظة. وضعت ليان يدها الأخرى على حجر صغير كان معلّقًا في عقد حول عنقها. حجر الهمس… آخر ما تركه والدها لها ليلة اختفائه. حين لامست يد ريف، اشتعل الحجر بضوءٍ أبيض صغير، ثم بدأ الحاجز النحاسي بالاهتزاز. قال ريف بدهشة خفيفة، وكأنه يهمس لنفسه: "هذا… سحر قديم جدًا." ردت ليان: "سحر أبي." في لحظة واحدة، انفلق الحاجز مثل مرآة تتشقق بصمت. صار الهواء خفيفًا، والفراغ المفتوح خلف الحاجز طريقًا ضيقًا يقود إلى خارج المدينة. قبل أن يهربا، سمعا صوت أحد الحراس يصيح: "لقد اخترقوا الحاجز! احبسوا الأزقة فورًا!" نظرت ليان إلى ريف، وقالت بدون أي ابتسامة، فقط بإرادة صلبة: "سنخرج من هنا… حيّين." هز رأسه، وهذه المرة كان هناك شيء يشبه الاحترام في عينيه. ثم ركضا معًا نحو المجهول، بينما خلفهما احتشد الظلام… وارتفعت الشرارات الحمراء في السماء كأن المدينة كلها أعلنت الحرب عليهما.