اشتعال الحجر الأزرق
لم تكن ليالٍ كثيرة تخرج فيها ليان من ورشتها وهي ترتجف.
لكن تلك الليلة… كانت مختلفة.
أغلقت الباب خلفها بإحكام، وضوء الحجر الأزرق ما يزال يلمع في ذاكرتها.
ذلك الوميض لم يكن مجرد تفاعل سحري، بل كان استدعاءً؛ كأن الحجر قد تعرّف إلى ريف قبل أن تتعرف هي إليه.
جلست على المقعد الخشبي قرب الطاولة، وحدّقت في الحجر الذي انكسر نصفه.
رأت بداخله خيطًا من الضوء يدور ببطء، مثل عينٍ تستيقظ من نوم طويل.
تسأل نفسها بصوت بالكاد يُسمع:
"كيف يمكن لحجر أن يشتعل عند اقتراب شخص لا أعرفه؟إلا إذا كان أبي… يعرفه."
مدّت يدها نحو الضوء، لكن الشعاع ارتجف فجأة وتمدّد كأنه يبحث عن شيء مفقود.
وفي لحظة خاطفة، انعكست على سطح الحجر صورة مبهمة يد قوية تمسك بيد صغيرة، وفي الخلفية ظلال جبال لا تشبه جبال القبيلة.
عادت ليان إلى الخلف بخطوات بسيطة ،هذه ليست ذاكرتها… بل ذاكرة الحجر نفسه.
صوت من خلفها قطع الصمت:
"لماذا انكسر الحجر معكِ أيضًا؟"
استدارت بسرعة، فوجدت ريف يقف قرب المدخل، يده مضمودة على جرح خفيف في ذراعه.
كان يراقبها بعيون لا تحمل تهديدًا بقدر ما تحمل دهشة وحذرًا.
رفعت المطرقة نحوه بلا تردد:"قلت لك ألا تقترب!"
لم يرفع يديه هذه المرة، بل جلس على الأرض ببطء، كأنه يعترف للحظة بصعوبة الموقف.
"لم آتِ للقتال. رؤية الحجر… أثارت شيئًا لم أفهمه."
حدّقت فيه ليان، تحاول أن تفهم إن كانت هذه خدعة أخرى ،لكن التعب الواضح في ملامحه لم يكن مصطنعًا.
ثم أشارت إلى الحجر:
"لقد أظهر لي شيئًا. رؤية غريبة… يد طفل ويد رجل. هل لها علاقة بك؟"
ساد الصمت للحظة...
ثم قال ريف بصوت منخفض كأنه اكتشف الأمر معها للمرة الأولى:
"ربما… هذا الحجر من نوع خاص. أبي كان يقول إن بعض الأحجار تحفظ آثار السحرة الذين لمسُوها."
تنفست ليان بعمق،أحسّت بشيء يشبه الإحساس القديم الذي كانت تشعر به عندما كانت صغيرة، حين كان والدها يخبرها أن الأحجار ليست مجرد مادّة… بل ذاكرات تنتظر من يقرأها.
اقتربت من ريف قليلًا، لكن المسافة بينهما بقيت آمنة.
"هل أنت… متأكد أن الحجر تعرف عليك؟"
نظر إليها، ثم إلى الحجر، ثم قال بهدوء:
"متأكد من شيء واحد فقط: والدك هو آخر من لمس هذه الأحجار… وأنا كنت آخر من رأيته حيًّا."
انقبض قلب ليان، ليس خوفًا منه… بل خوفًا على الحقيقة التي بدأت تتسلل إليها.
همست:
"أبي…؟ كيف؟"
وقف ريف بصعوبة وقال:
"سأخبرك… لكن ليس هنا. الناس بدأوا يبحثون عني، وإن بقينا في الورشة أكثر سنجلب المشاكل إليكِ أيضًا."
ترددت ليان.
هي لا تثق به، لكنها تشعر بأن في كلامه صدقًا ثقيلًا كالأحجار التي تنحتها.
رفعت الحجر الأزرق بين يديها، وقالت:
"إن كان الحجر قد اختار أن يكشف لك شيئًا… فسأستمع."
للحظة قصيرة، لم يكن بينهما سوى ضوءٍ خافت يلمع داخل الحجر،
ضوء يشبه بداية طريق… لا يعرف أحد إلى أين يقودهما.