حين يُسجَن النور - الهجين المنفي - بقلم خديجة اهريمش | روايتك

اسم الرواية: حين يُسجَن النور
المؤلف / الكاتب: خديجة اهريمش
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الهجين المنفي

الهجين المنفي

لم يكن الفجر قد اكتمل بعد حين عبر ريف حدود الغابة، سائراً بخطوات متعبة فوق الأرض الرطبة. كانت الظلال الطويلة للأشجار تتشابك حوله كأنها تحاول احتجازه، لكنه تابع طريقه بصمتٍ يعرفه من عاش مطرودًا أكثر مما عاش مقبولًا. وُلِد ريف بنصف دمٍ لا يشبه أحداً. نصفه الأول من سلالة «السحرة العُليا»، والنصف الآخر من بشرٍ عاديين. ولم يحتمل مجلس القبيلة هذا المزج الغريب. قالوا يومًا: "الهجين يجلب الفوضى"… لكنهم لم يعترفوا بأن خوفهم منه كان أكبر من كل التوقعات. ولم ينسَ ريف ليلة محاكمته. الوجوه المتحجرة، الأصوات التي لا ترى الإنسان بل الخطر، والقرار القاسي: النفي إلى الأبد. لم يعطوه سوى عباءة قديمة، وحجرًا باهتًا كان من بقايا ما أعطاه إيّاه الساحر «ساهر بن نوران»… الرجل الوحيد الذي لم ينظر إليه كوحش. في تلك الليلة، همس ساهر للطفل: “النور إذا حُوصِر… يحطم الأسوار من حيث لا تتوقع.” هذه الكلمات هي الشيء الوحيد الذي بقي له بعد رحيل الرجل واختفائه الغامض. طوال سنوات النفي، عاش ريف مطاردًا: مرة من فرقة الصيادين، ومرة من تجار الأحجار، ومرة من حُرّاس القبيلة الذين كانوا يظنون أنه سيعود لينتقم. لكنه لم يفكر يومًا في الانتقام. كل ما كان يبحث عنه هو معنى لما يحدث داخله… تلك القوة التي تستيقظ فيه كعاصفة صامتة لا يعرف كيف يسيطر عليها. ومع مرور الوقت، أدرك أنّ المفتاح الوحيد لفهمها هو المخطوطة المحرّمة. مخطوطة قيل إنها تكشف حقيقة «السحر الهجين»، وإنها كانت آخر ما حرسه الساحر ساهر قبل اختفائه. عرف ريف أنها مخبّأة في ورشة ابنته… ليان. لم يكن يعرف عنها سوى ما يتناقله الناس: فتاة تعمل في نحت الأحجار النادرة، تمتلك موهبة لا تشبه أحدًا، وتعيش وحيدة منذ اختفاء والدها. لكن شيئًا واحدًا لم يكن يعرفه: أن اقترابه من تلك الورشة لن يفتح له باب الحقيقة فقط… بل سيكشف له ما لم يخبره به أحد عن نفسه وعن الرجل الذي أنقذ حياته. في تلك اللحظة، بدأ المطر يتساقط. رفع ريف رأسه نحو السماء، ثم شد عباءته وأكمل سيره نحو القرية التي وُلد فيها ولم يرها منذ سنوات طويلة. كان قلبه يخفق بخليط من الخوف والإصرار. ليس خوفًا من مواجهة الناس… بل من مواجهة الحقيقة التي طال هروبه منها. وعندما ظهرت أضواء القرية بين الأشجار، عرف أن ساعة المواجهة اقتربت. وأن أول باب يجب أن يطرقه… هو باب تلك الورشة التي تحرسها فتاة لا تعرف أنه قادم. ولم تكن ليان تعرف بعد… أن الغريب الذي سيدخل حياتها هذه الليلة ليس مجرد لصّ يبحث عن مخطوطة. بل هو بداية قصة أكبر من القبيلة، وأكبر من الحجر… وأكبر من كل ما ظنّه كلاهما عن الظلام والنور.