حين يُسجَن النور - أحجار لا تنام - بقلم خديجة اهريمش | روايتك

اسم الرواية: حين يُسجَن النور
المؤلف / الكاتب: خديجة اهريمش
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: أحجار لا تنام

أحجار لا تنام

كانت لَيّان آخر من يغادر سوق الحرفيين ذلك المساء. الليل ألقى عباءته فوق الأزقة، ولم يبقَ في الورشة سوى ضوء مصباح زيتي يترنّح مع نسيم بارد. جلست أمام طاولة العمل، تتأمّل الحجر الأخضر الذي انتظرها طوال اليوم. كان حجرًا نادرًا، من النوع الذي لا يلين بسرعة… ولا يصمت بسهولة. وضعت يدها فوقه شعرت بذلك الارتجاف الخفيف الذي لا يلتقطه إلا من اعتاد الإنصات لصوت الحجر. ابتسمت ابتسامة قصيرة، كأنها تقول: "أعرف أنك تخبّئ شيئًا… لا تقلق، سأكتشفه." كانت حركة يدها دقيقة، كأنها ترسم ملامح ذاكرة قديمة. فموهبتها لم تكن نحتًا فحسب؛ بل كانت سماعًا، قدرة ورثتها من أبيها… الساحر الذي اختفى منذ سنوات، تاركًا خلفه ورشة مليئة بالأسرار، وفتاة تتظاهر بالقوة أكثر مما تشعر. عند منتصف الليل، اهتزّ باب الورشة قليلًا. رفعت ليان رأسها.لم يكن صوت ريح،تجمدت أنفاسها لحظة.ثم تراجعت خطوة، يدها تبحث عن مطرقة صغيرة. ظلّ طويل انحنى ودخل من النافذة الخلفية بخفة يستحيل أن تكون بشرية. كان وجهه غامقًا تحت الظل، لكن عينيه… عينيه كانتا بلون لهبٍ مكتوم، كأنهما تحملان نورًا يسجن نفسه كي لا ينفجر. لم تنتظر ليان،رفعت المطرقة. قبل أن تهوي، تحطم صندوق من الأحجار خلفها، فاندفع منه ضوء أزرق أخّاذ ملأ الورشة. ارتجف الظل لحظة، ثم ظهر منه شاب مشدود الملامح، أنفاسه متعبة، وملامحه تحمل آثار سفر طويل… أو مطاردة لا تنتهي. تراجع خطوة إلى الوراء، كأنه تفاجأ بوجودها. قالت بحدة: ماذا تريد من ورشتي؟ وكيف دخلت؟! لم يرد. كانت عيناه معلقتين بشيء واحد: الخزانة الخشبية التي تحوي المخطوطة المحرمة. اتهمته مباشرة: أنت لصّ؟ رفع رأسه نحوها، وقال بصوت منخفض لكنه ثابت: أنا لا أسرق… أنا أستعيد ما سُرق مني. رمشت ليان بدهشة. لم تفهم. اندفع نحو الخزانة. قفزت أمامه فورًا، مانعةً الطريق. في تلك اللحظة، تصاعد شيء غريب في الهواء… صوت الحجر الأخضر اهتزّ من الطاولة، وكأنه يتفاعل مع وجود الغريب. خفض الغريب صوته، وقال: لا وقت للنقاش… المخطوطة ليست ملكك. اشتعل الغضب في وجه ليان: بل هي ملك أبي! توقف... اتسعت عيناه… للحظة قصيرة حملت شيئًا يشبه الصدمة، أو ربما شيئًا أعمق… شيئًا يشبه الحزن. همس: أبوك… كان آخر من وثق بي. شهقت ليان، دون أن تستوعب. كيف يعرف والدها؟ وكيف يجرؤ على قول هذا؟ وقبل أن تنطق، انفتح باب الورشة فجأة بصوت قوي: دورية من حراس المدينة تقترب، أصوات أقدامهم واضحة. نظر إليها الغريب، ثم إلى النافذة؛ قال بصوت أقرب إلى الرجاء منه إلى القوة: إن قبضوا عليّ… لن يصدقوا كلمة واحدة. أحتاج المخطوطة، وإلا ستُعاد المذبحة التي حاول والدك منعها،ترددت. حاول عقلها الإنكار، لكن قلبها… قلبها عرف شيئًا واحدًا: الخوف الذي يحمله الشاب ليس خوف شخص مذنب… بل خوف شخص مطارد لأنه مختلف. ولّدت تلك اللحظة مشاعر غير مفهومة: توتر، قلق، حذر… ولم تكن تطمئن له، لكنها لم تستطع أن تسلّمه للحراس أيضًا. أشارت إليه: من هنا… قبل أن يصلوا. اختفى عبر السطح، تاركًا صدى خفيفًا ورائحة حجر مشتعل. وعلى الطاولة، بقي الحجر الأخضر يهتزّ كأنه يقول لها: "هذا ليس آخر لقاء."