صدمة اسيل
كان الصوت يتردّد في أعماقها…
هادئًا، باردًا، ينساب داخل عروقها كهمس لا ينتمي اليها
"أسيل… لم يبقَ لديكِ وقتٌ طويل."
شهقت بقوة، وضمّت يدها اليمنى إلى صدرها، كأنها تحاول خنق السواد الذي يزحف تحت جلدها.
لكن الحرارة ازدادت…
والألم كان أشبه بوخز طويل يغوص داخل العظام نفسها.
جلست على الأرض، ظهرها ملتصق بالباب، كأنها تريد أن تمنع العالم من الدخول…
أو تمنع الظلّ الذي بداخلها من الخروج.
كانت تبكي بصمت،
غير أن دموعها كانت ساخنة…
ساخنة بشكل غريب، وكأن جسدها كله يغلي من الداخل.
تمتمت متقطّعة الأنفاس:
"لا… لا أريد أن أفقد جسدي… لا أريد أن أصبح شيئًا آخر… شيئًا مخيفًا…"
وضعت يدها اليسرى على فمها كي لا يسمع أحد نحيبها.
وفجأة…
طرق.
ثلاث دقات ثقيلة على الباب، كأنها تهز الهواء من حولها.
توقّف نفسها.
ثم عاد الطرق ثانية، لكن أكثر حذرًا… أكثر ارتباكًا…
ثم جاء صوت حاتم من خلف الباب:
"أسيل…؟"
جفّ الدم في عروقها.
لا…
لا يجب أن يكون هنا…
عاد صوته، أقرب، مفعمًا بالقلق:
"أسيل، هل تسمعينني؟ هل أنتِ بخير؟"
لم تجب.
لم تستطع.
عاد يطرق، ثم قال بنبرة خافتة ولكن ثابتة:
"لن أغادر… حتى أسمع صوتك.
قولي أي شيء… حتى ولو كلمة واحدة."
وضعت جبينها على الأرض، وانهارت دموعها من جديد.
ثم هزّت رأسها يائسة، وقالت بصوت مكسور:
"حاتم… أرجوك… ابتعِد… من فضلك…"
ساد الصمت لثوانٍ…
ثم قال بصوت يختلف عن أي مرة سابقة، صلبًا وقويًا:
"لا."
رفعت أسيل رأسها بصدمة.
لم تسمعه يومًا ينطق تلك الكلمة بهذه الطريقة.
تابع:
"كنت بالقرب منكِ يوم الحادث… ورأيتُ شيئًا مخيفًا، شيئًا جعلكِ ترتجفين حتى وأنت تحاولين إخفاءه.
لا أعرف ما يحدث لكِ…
ولكنني أعرف أنكِ لستِ وحدك.
ولن تواجهي هذا الشيء وحدك."
اهتزت يدها اليمنى تحت المعطف تمردًا…
كأن السواد لا يريد أحدًا أن يقترب منها.
وفجأة شعرت بحرارة موجعة تعبر ذراعها…
بحركة داخلية خفيفة تشبه شرارة زرقاء تتوهّج وسط السواد.
شهقت:
"لا… لا… ليس الآن…"
السواد ارتفع قليلًا…
أطول بقليل مما كان عليه قبل دقائق.
الصوت الداخلي عاد، منخفضًا، بطيئًا، مخيفًا:
"التحوّل… بدأ."
ارتجفت أسيل حتى كادت تقع.
سقطت على ركبتيها، ثم على كفّ يدها اليسرى، بينما اليمنى ترتجف وليست لها.
خارج الباب، علا صوت حاتم مضطربًا:
"أسيل! هل سقطتِ؟ أسيل، أجيبي!"
حاولت أن تقف،
لكن قدميها لم تحتملها…
فسقطت من جديد.
تجمّعت دموعها على الأرض وهي تهمس متألمة:
"أرجوك… لا تقترب… لا تقترب…"
سألها حاتم بصوت مبحوح:
"لماذا؟"
رفعت وجهها نحو الباب، عيناها دامعتان، وصرخت بصوت مخنوق:
"لأنني… سأفقد السيطرة…
ولا أريد أن تراني… وأنا أتحوّل…"
ساد صمت عميق خلف الباب.
ثم قال حاتم بصوت هادئ… ولكنه موجوع:
"إذا فقدتِ السيطرة…
فسأكون أول من يقف إلى جانبك."
أغمضت أسيل عينيها بقوة.
لم تستطع منع شهقة الألم التي خرجت منها.
فجأة، انطلقت رعشة قوية في ذراعها اليمنى…
ارتفع السواد أكثر، حتى وصل قريبًا من الكتف.
لم يبقَ من جسدها سليمٌ إلا يدها اليسرى… آخر جزء من ذاتها.
صرخت من شدّة الوجع:
"آااه…".